(دعواهم محبة الله) الحب والمحبة ميل النفس إلى الشيء، وقالوا: أحبَّه فهو محبٌّ وهذه من الدعاوى الجاهلية الكاذبة كذلك، وهي أنهم يحبون الله تعالى وهم يتركون شرعه، فلا يمتثلون ما أمرهم به، ولا ينتهون عما نهاهم عنه، وهذا عين التناقض، لماذا؟ لأن من أحبّ أطاع إذا أحب شخصًا ما من المخلوقين أطاعه، وإذا أحب الله تعالى وادَّعى أنه محب له حينئذٍ امتثل ما أمره الله تعالى فعلًا وتركًا، وأمَّا إذا ادَّعى المحبة مع كونه يترك ما أمر الله تعالى به ويفعل ما نهى الله تعالى عنه حينئذٍ رجعنا بهذا الفعل إلى تكذيبه في دعواه المحبة. إذًا هذا عين التناقض إذ من أحب أطاع فيوافق محبوبه في حب ما يحب وبغض ما يبغض، وإن لم تكن المحبة كذلك فهي دعوى كاذبة. فقد استدل المصنف رحمه الله تعالى على هذه الخصلة الجاهلية بقوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 31، 32] يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: هذه الآية الكريمة حاكمةٌ على كل من ادَّعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، كل من ادَّعى محبة الله حينئذٍ لا بد أن يكون لها أثر في ظاهره وعلى جوارحه وعلى لسانه، فإن كان موافقًا للشرع فقد حينئذٍ تقبل دعواه وإلا فهي كذب محض، وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذبٌ في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌ» ) ولهذا قال: الله عز وجل {إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ} أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كون العبد يحب ربه لأنه منعمٌ عليه هذا أمر طَبَعِي، ولكن كون الله تعالى يحبه فهذا أعظم وأجل، كما قال بعض العلماء الحكماء: ليس الشأن أن تُحِبّ إنما الشأن أن تُحَبّ. وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قومٌ أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية. يعني: إذا قيل بأن زيدًا من الناس يحب الله تعالى حينئذٍ نقول: هات البرهان هات الدليل، أين المتابعة للنبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فالله تعالى طالب من ادَّعى محبته بدليلٍ يُصَدِّقُ دعواه تلك وهذا الدليل هو طاعته وذلك بإتباع نبيه - صلى الله عليه وسلم -. وفي الآية السابقة بيان رَدِّ الله تعالى على من ادَّعى هذه الدعوى الكاذبة.