فإن هذا خاصٌ بالدعاة إلى الضلالة، وقوله: {وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ} [النحل: 25] فإن الدعاة عليهم إثم ضلالتهم في أنفسهم، وإثمٌ آخر بسبب ما أضلوا من أضلوا من غير أن ينقص من أوزار أولئك، ولا يُحمل عنهم شيءٌ وهذا من عدل الله ورحمته لعباده، والآية جاءت في سياق قوله تعالى: {مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] بين سبحانه أن ثواب العمل الصالح والعقاب ضده يختصان بفاعلهما أي: فلا يثاب إلا الفاعل، ولا يعاقب إلا الفاعل فلا يتعديان منه إلى غيره، فمن اهتدى بفعل ما أمره الله به وترك ما نهاه الله عنه فإنما تعود منفعة ذلك إلى نفسه، ومن ضلّ عن طريق الحق فلم يفعل ما أمر به ولم يترك ما نهى عنه {فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} أي: فإن وبال ضلاله واقعٌ على نفسه لا يجاوزها، فكل أحدٍ محاسبٌ على نفسه أو عن نفسه، مجزيٌ بطاعته معاقب بمعصيته ثم أكد هذا الكلام بأبلغ تأكيدٍ، فقال: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} والوزر هو الإثم أي: لا يحمل أو تحمل نفسٌ حاملةٌ للوزر وزر نفسٍ أخرى حتى تخلص الأخرى عن وزرها، وتأخذ بها الأولى قال الزجاج: إن الآثم والمذنب لا يؤاخذ بذنب غيره البتة، وقال تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286] ، وقال سبحانه: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: 38] ، وقال سبحانه: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ} [الإسراء: 33] ، وقال سبحانه: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] . وشُرِعَ القصاص لقطع هذه الخِصْلة فقال تعالى أو الخَصْلة فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى} [البقرة: 178] ، وقال سبحانه: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45] . إذًا من دين أهل الجاهلية، مؤاخذة غير الجاني بما جنى الجاني، وهذا يعتبر من خصال أهل الجاهلية، حينئذٍ غيره ومقابله هو حكم الإسلام، والله أعلم.
وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.