(المائة: التحكم على الله، كما في الآية) فسَّرَّ الشيخ الفوزان حفظه الله تعالى التحكم هنا بمعنى الاقتراح، فهو محتمل إن كان اللفظ فيه شيء من البعد، لكن نسير على ما سار عليه العلماء (التحكم على الله، كما في الآية) فسره الشيخ الفوزان حفظه الله تعالى بالاقتراح على الله تعالى، فينظر في لسان العرب هل الاقتراح بمعنى التحكم أم لا. فمن خصالهم أنهم يتحكمون على الله ويقترحون عليه وهو اقتراح مبنيٌ على الاعتراض على حكمه وشرعه وقدره - كما في الآية السابقة - {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} هذا اعتراضٌ واقتراح، اعترضوا كونه نزل على محمد - صلى الله عليه وسلم -، واقترحوا من عندهم أنه ينزل على أحد الرجلين الماضيين، فلما أنزل الله القرآن على نبيه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - اعترضوا عليه لأنه ليس من العظماء عندهم، واقترحوا على الله أن يكون هذا الإنزال على أحد رجلين ممن يعتقدون أنهم عظماء، وهذا هو التحكم. وهذا كثير قد أخبر الله تعالى عن مشرك مكة أنهم قالوا {وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} [الأنعام: 8] هذا اقتراح تحكم واعتراض على الشرع، كذلك قالوا {قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ} [الأنعام: 124] هذا اقتراح وهو تحكم على الله تعالى واعتراض على شرعه وقدره، كذلك { [وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا] لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً [الفرقان: 32] وهذا اعتراض وهو اقتراح وهو كذلك.
وأهل الكتاب كذلك قال الله تعالى عنهم: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللهِ جَهْرَةً} [النساء: 153] هذا اعتراض واقتراح على الله تعالى، وخالفهم هَدْي نبينا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - فأمر بالتسليم لله تعالى في دينه وشرعه وقدره، سمعنا وأطعنا هذا شعار المؤمن كل زمانٍ ومكان. قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ} [الأحزاب: 36] مؤمن أَيًّا كان ولو كان عالمًا، لأنه نكرة في سياق النفي، {وَمَا كَانَ} ما نافية {مُؤْمِنٍ} نكرةٌ {وَلَا مُؤْمِنَةٍ} من باب التوكيد وإلا الأصل في أن لفظ مؤمن يدخل فيه النساء هذا الأصل فيه، كثير من النصوص يأتي ذكر الرجال فقط والنساء شقائق الرجال، هنا نصَّ من باب التأكيد {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا} أيًّا كان ذلك الأمر {أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} .