قال ابن كثير رحمه الله تعالى: هذه الآية عامةٌ في جميع الأمور. يعني في الشرع وفي القدر. فلا اعتراض على الله تعالى في شرعه، لماذا أوجب كذا؟ ولماذا حرم كذا؟ ولماذا ندب كذا ولماذا لم يوجب .. إلى آخره، ولا اعتراض على قدره بمعنى الأمور التي تكون في الكون من الخلق والإنجاب والإحياء والإماتة والرَّزْق .. ونحو ذلك كل ذلك لا يُعترض عليه البتة، المطر نزول المطر والرياح هبوبها وذهابها، والأرزاق كل ذلك لا يعترض على الله تعالى البتة. هذه الآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء فليس لأحدٍ مخالفته، ولا اختيار لأحدٍ ها هنا. نعم إذا حكم الله تعالى ورسوله بشيء أيًّا كان ذلك الشيء، فليس لأحدٍ حكمٌ البتة، ذهبت الآراء وذهبت الأقيسة وذهبت الأهواء والمخالفات وإنما المقدم هو شرع الله تعالى، أنه إذا حكم الله ورسوله بشيءٍ فليس لأحدٍ مخالفته، ولا اختيارٌ لأحدٍ ها هنا، ولا رأيٌ ولا قول كما قال تبارك وتعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [النساء: 65] . {فَلاَ وَرَبِّكَ} هذا قسم من الرب بذاته المقدسة، وهو أعلى درجات القسم، يقسم الله تعالى بما شاء، فأقسم بالشمس، وأقسم بالليل وهي مخلوقات وأعظم من ذلك أن يقسم بذاته. إذًا هنا لجلالة الحكم وعظمة الحكم أقسم بذاته جل وعلا، ونفى الإيمان أصل الإيمان، بمعنى أنه إذا لم يسلم للشرع للنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجعله حكمًا بينه وبين الخلق فليس بمؤمن، {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} يؤمنون هنا فعل مضارع، وفيه نكرة وهو المصدر، والنكرة في سياق النفي تَعُمّ. إذًا لا إيمان له، بمعنى أنه ليس بمؤمن ليس بمسلم، {حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ} فإن حكموك فهم مؤمنون، فإن لم يحكموك فليسوا بمؤمنين، {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} هذه آية عظيمة {فِيمَا} ما هنا اسم موصول بمعنى الذي وهو عام، بمعنى أن كلّ ما يَشْجُرُ بين المسلمين وبين المسلمين والكفرة إنما يكون الْحَكَمُ هو الشرع، وأما المواثيق الدولية وكل هذا من الْمَبَاينة لهذه الآية {حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا} يعني: في الذي شجر بينهم، فكل ما شجر وإن قل سواء كان بين مسلمَيْنِ أو كان بين مسلمِيَن والمجتمع الدولي كمان، أو بين مسلمين وكفار حينئذٍ يكون المرجع هو الشرع، وأما تحكم غير الشرع فهذا لا عبرة به البتة ويُخشى عليه من الوقوع في خلاف هذه الآية وهذا شأنه عظيم. {فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} وفي الحديث «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه لما تبع لما جاءت به» .