فيه خلاف في ثبوته، ولهذا شَدَّدَ النبي - صلى الله عليه وسلم - والرب جل وعلا في ذلك فقال: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36] وقوله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] قال الإمام أحمد: أتدري ما الفتنة؟ إنها الشرك. فالواجب حينئذٍ على المسلم أن يقول: سمعنا وأطعنا. إذ لو لم يتبع الحق حينئذٍ اتبع الهوى {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ} [القصص: 50] ، كُلّ من لم يتبع السنة لا بد أن يُحْدِث في مقابلها بدعة، من لم يتبع التوحيد جملة وتفصيلًا لا بد أن يقع في مخالفته وهو الشرك جملة أو تفصيلًا، بأنه أمران متقابلان إما حقٌ وإما هوى، إما سنة وإما بدعة وضلالة، إما طاعة، وإما معصية، هذا أو ذاك، أما أن يجتمعا فلا، قد يكون الجهة منفكة هذا شيءٌ آخر، إذ لو لم يتبع الحق اتبع الهوى {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} [المؤمنون: 71] .
(الحاديةُ بعد المائة: ازدراء الفقراء) ازدراه حقره وعابه، (فأتاهم بقوله: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} [الأنعام: 52] ) .
(ازدراء الفقراء) أي: احتقارهم، وهذه المسألة سبق لها نظير وهو أنهم يتركون إتباع الأنبياء لأن الفقراء هم الذين اتبعوه، لا يتبعون الأنبياء، لماذا؟ لأن الذي اتبع الأنبياء هم الفقراء، إذًا أصحاب الجاه والأموال إذا دخلوا في متابعة الأنبياء استووا مع الفقراء، فازدراءً له حينئذٍ تركوا إتباع الأنبياء. {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [الشعراء: 111] هذا في غير موضعٍ في القرآن فأجابهم نوح عليه السلام {وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا اللهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ} [هود: 31] قال المصنف فأتاهم أي: قريشًا الله عز وجل فأتاهم أي: قريشًا إذ هذا شأنهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} . قال ابن كثير رحمه الله تعالى: أي لا تُبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفات عنك، بل اجعلهم جلسائك وأخصائك دل على أن الفقراء إنما يكرمون لإيمانهم، هنا نهى الله عز وجل نبيه عن طرد الفقراء، الْمُتَّصِفِين بهذه الصفات. قال بل أجعلهم جلسائك وأخصائك، دل على كرامتهم عند الله عز وجل وقوله: ( {يَدْعُونَ رَبَّهُم} ) أي: يعبدونه ويسألونه، إذًا حققوا موجب الكرامة {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] هؤلاء وإن كانوا فقراء وليس الميزان هو الفقر والغنى، وإنما الميزان عبادة الله تعالى وحده دون ما سواه، {بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} متعلق بقوله: {يَدْعُونَ رَبَّهُم} ، ... {بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} قال سعيد بن الْمُسَيَّب - مسيَّب مسيِّب
كُلُّ مُسَيَّبٍ فَبَالْفَتْحِ سِوَى ... أَبِي سَعِيدٍ فَلِوَجْهَيْنِ حَوَى