(التاسعة عشرة بعد المائة: مخاصمتهم فيما ليس لهم به علم) . ... (مخاصمتهم) وفي نسخة محاجتهم (فيما ليس لهم به علم) . من خصال أهل الجاهلية المحاجة والمخاصمة والمجادلة فيما لا يعلمون من الاعتقادات والأحكام، والغرض من هذه المخاصمات دفع الحق بالباطل، ولبسه به، وإضلال الناس عنه فهو صورةٌ من صور الحيل الخفية - التي مرت معنا - في دفع ما جاءت به الرسل. قال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ ... عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [آل عمران: 65، 66] . قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: اجتمعت نصارى نجران وأحبار اليهود عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتنازعوا اختلفوا عنده فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديًّا على ملتهم، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيًّا على ملتهم، فأنزل الله عز وجل {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ} الآية. أي كيف تدَّعون أيها اليهود أنه كان يهوديًّا وقد كان زمنه قبل أن يُنَزِّل الله التوراة على موسى، كيف تدَّعون ذلك، وكيف تدَّعون أنه أيها النصارى أنه كان نصرانيًّا وإنما حدثت النصرانية بعد زمنه بدهرٍ، ولهذا قال تعالى: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} . ثم قال سبحانه: {هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ} . هذا إنكارٌ على من يحاجّ فيما لا علم له به، فإن اليهود والنصارى تحاجوا في إبراهيم بلا علم ولو تحاجوا فيما بأيديهم منه علمٌ من ما يتعلق بأديانهم التي شُرعت لهم إلى حين بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - لكان أولى بهم، وإنما تكلموا فيما لا يعلمون، فأنكر الله عليهم ذلك وأمرهم بردّ ما لا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة، الذي يعلم الأمور بحقائقها وجلياتها، ولهذا قال تعالى: {وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} .