فهرس الكتاب

الصفحة 392 من 397

وقال تعالى مخبرًا عن قوم هود: {أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} [الأعراف: 71] . قصة إبراهيم عليه السلام عن قومه كما في سورة الأنعام واضحةٌ بيّنة قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ} [الحج: 3] . وخالف هدي نبينا - صلى الله عليه وسلم - هديهم في هذه الخصلة، فما كان يجادل إلا فيما يعلمه، حينئذٍ السنة أن لا يجادل الإنسان في شيءٍ لا يتقنه ولا يحسنه، فإن فعل حينئذٍ فيه شبهٌ من أهل الجاهلية وما، لا يعلمه يسكت عنه حتى يعني: النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يجادل إلا في شيءٍ يعلمه، وما لا يعلمه يسكت عنه حتى ينزل عليه الوحي كما في مسألة الروح، قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] . وكما في قصة أصحاب الكهف {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا} [الكهف: 26] وأمر سبحانه بالمجادلة بالتي هي أحسن {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] أي من احتاج إلى مناظرةٍ وجدالٍ فليكن بالوجه الحسن برفقٍ ولينٍ وحسن خطاب كقوله سبحانه: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: 46] . فأمره تعالى بلين الجانب، وقال سبحانه: {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 35] . أي الذين يدفعون الحق بالباطل، ويجادلون الحجج بغير دليلٍ وحجةٌ معهم من الله تعالى فإن الله يمقت على ذلك أشد المقت، ولهذا قال تعالى {كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا} [أي والمؤمنون] أي والمؤمنين أيضًا أو والمؤمنون أيضًا يبغضون من تكون هذه صفته، فإن من كانت هذه صفته يطبع الله على قلبه من كانت هذه صفته يطبع الله على قلبه فلا يعرف بعد ذلك معروفًا ولا ينكر منكرًا، ولهذا قال تبارك وتعالى: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ} أي على إتباع الحق {جَبَّارٍ} [غافر: 35] قال قتادة: آية الجبابرة القتل بغير حقٍ، ودلت الآية على أن الحامل على المجادلة هو الكبر، والكبر ممقوت عند الله تعالى كما قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ} [غافر: 56] . ما في صدورهم إلا كبر، هذا حاصل حينئذٍ إن لم يحملهم على المجادلة إلا الكبر {إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} . فقال - صلى الله عليه وسلم: «ما ضل قومٌ بعد هُدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل» .

إذًا مخاصمتهم أو محاجتهم فيما ليس لهم به علم، هذه من خصائص وصفات أهل الجاهلية، وأما أهل الإسلام وأهل الإيمان فإنما يتكلمون فيما يُحسنون فيه وما لا يحسنون يكلون أمره إلى من يحسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت