بل فائدة العلم والإيمان أعظم فائدة من مجرد العمل الذي لم يغتنم به علمه, فإن الإنسان إذا عرف المعروف وأنكر المنكر كان خيرًا من أن يكون ميت القلب لا يعرف معروفًا ولا يُنكر منكرًا, وإنكار القلب هو الإيمان بأن هذا منكر وكراهته لذلك, فإذا حصل ذلك كان في القلوب إيمان وأيضًا فقد يستغفر الرجل من الذنب مع إصراره عليه, يعني قد يكون عنده نوع طاعة من حيث الاستغفار أو يأتي بحسنات تمحوه أو بعضه وقد تقلل منه ذلك, يعني حسنات تقلل منه ذلك الذنب وقد تضعف همته في طلبه إذا علم أنه منكر, ثم لو فُرض أنا علمنا أن الناس لا يتركون المنكر ولا يعترفون بأنه منكر لم يكن ذلك مانعًا من إبلاغ الرسالة وبيان العلم, يعني إذا شاع عند الناس أمرٌ ما وفيه مشابهةٌ لليهود والنصارى عدم علمهم أو إذا علموا ولم يعملوا لا يلزم منه ترك البلاغ والتعليم, فلابد من إنكار المنكر ولابد من بيان الحجة في ذلك, بل ذلك لا يسقط وجوب الإبلاغ ولا وجوب الأمر والنهي في إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى, وهو قول كثيرٍ من أهل العلم وهذا أمرٌ عامٌ في كل منكرٍ أخبر الصادق بوقوعه, ومما دلَّ أو ما دلَّ عليه الكتاب جاءت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفاءه الراشدين التي أجمع الفقهاء عليها بمخالفتهم وترك التشبه بهم, ففي الصحيحين (خالفوا المشركين) هنا علَّق الحكم بماذا؟ بمخالفة المشركين, ثم قال (احفوا الشوارب وأوفوا اللحى) فأبدلوا الجملة الثانية من الأولى, أمر بالمخالفة عامًا ثم خاصًا فقدمه عمومًا ثم خصوصًا من باب التأكيد في النهي, كما يقال: أكرم ضيفك أطعمه وحادثه. وقال صلى الله عليه وسلم (خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم لا خفافهم) رواه أبو داوود, (خالفوا اليهود) علقه بالمخالفة, إذًا أمر بالصلاة في النعل مخالفة لـ .. لليهود, وقال (فصلٌ ما بين صيامنًا وصيام أهل الكتاب أكلة السَحَر) رواه مسلم, فدلَّ على أن الفصل بين العبادتين أمرٌ مقصودٌ وقد صرَّح بذلك في قوله (لا يزال الدين ظاهرًا ما عجَّل الناسُ الفطرَ لأن اليهود والنصارى يؤخرون) , وإنما المقصود بإرسال الرسل, يقول رحمه الله تعالى, أن يُظهر .. أن يَظهر دين الله على الدين كله فنفس مخالفتهم من أكبر مقاصد البعثة, من أكبر مقاصد بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مخالفة اليهود والنصارى, وكذا قال (لا تزال أمتي بخير ـ أو قال على الفطرة ـ ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم) رواه أحمد وابن ماجة, وقوله صلى الله عليه وسلم (اصنعوا كل شيءٍ غير النكاح) فقالت اليهود: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه. رواه مسلم, وقد نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها معللًا بأنها تسجد لها الكفار حينئذٍ وأنها تطلع بين قرني شيطان, ففيه تنبيهٌ على أن كل ما يفعله المشركون من العبادات ونحوها مما يكون كفرًا أو معصيةً بالنية يُنهى المؤمنون عن ظاهره, يُنهى المؤمنون ..