والثاني: المتابعة للنبي - صلى الله عليه وسلم - بأن لا يعمل عملًا إلا وقد تابع فيه نبيه عليه الصلاة والسلام، دل على الأول قوله جل وعلا: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} . ودل على الثاني قوله - صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» . أي: مردود عليه، كذلك الحديث الآخر: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» . أي: مردود عليه، إذًا أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يقبل من الأعمال، فالرب جل وعلا لا يقبل من العبادات إلا الخالص، بل لا تسمى عبادة إلا ما كانت خالصةً لله عز وجل، وتسميتها عبادة في الشرع إنما هو باعتبار ظن صاحبها وإلا لا يصح الوصف من أصله بأن يسمى عبادة وهو غير مخلص لله عز وجل، لماذا؟ لأنها لا تتحقق إلا بشرط الإخلاص، كما أن الصلاة لا تتحقق إلا بشرط الطهارة، فإذا انتفت الطهارة مع القدرة عليها لا تسمى أفعاله صلاة، كذلك إذا انتفى الإخلاص عن العبادة ولو كان في شأن المسلم المرائي مثلًا إذا انتفى شرط الإخلاص حينئذٍ فعله هذا لا يسمى عبادة لانتفاء شرط من شروط صحة العبادة وحينئذٍ إنما هي أعمال قد يعبث بها، (وأخبر أن من فعل ما استحسنوا) ، يعني: ما استحسنه أهل الجاهلية، وهو مذهبهم الباطل الشركي، والكلام هنا في الشرك، (وأخبر أن من فعل ما استحسنوا) ، يعني: فعل فعلهم، يعني: لم يخلص العبادة لله عز وجل، بأن عبد الله تعالى وعبد معه غيره، (فقد حَرم الله عليه الجنة ومأواه النار) {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} ، فبين الله عز وجل أن المغفرة منفية من أصلها قليلة كانت أم كثيرة، عمن تلبس بالشرك الأكبر، {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} أي لا يغفر الإشراك به، وهو الشرك الأكبر، {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} يعني ما هو أقل من الشرك الأكبر فهو داخل في أو تحت المغفرة ومنه الشرك الأصغر، وقال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72] . (فقد حَرم الله) التحريم هو: المنع، بمعنى أنه منع المشرك المتصف بهذا الوصف من دخول الجنة منعًا باتًا أبد الآباد، فالجنة عليه حرام، بمعنى أنه لا يدخلها البتة، والنار مأواه منزله ومكانه وبيته فلا يخرج منها البتة، فهو خالد مخلد فيها، وقال تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31] ، وقد سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - أيُّ الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك» . وفي حديث ابن مسعود أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: «من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار» . رواه البخاري، ولمسلم عن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار» .