هذا يصور الحالة التي عليها أهل الجاهلية إبان مبعث محمد - صلى الله عليه وسلم - حينئذٍٍ ليس عندهم دين، بل هم متفرقون كما ذكر، إما كتابي معتصم بكتاب مُبَدّل، أو بكتاب مُبَدَّل ومنسوخ، وإما دين دارس مطموس بعضه مجهول وبعضه معلوم، والبارع منهم من قد يتمسك بدين ينسبه إلى بعض الرسل المتقدمين، لكنه التبس عليه الحق بالباطل. إذًا ثَمَّ تفرق حاصل في الدين، فهذه هي صفة أهل الجاهلية التفرق والاختلاف، كما قال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 31، 32] . (ويرون أن ذلك هو الصواب) ، فكل من كان على دين يعتقد أنه على الدين الحق، يعني: هؤلاء المتفرقون كل منهم يسلك مسلكًا في تدينه وتقربه إلى ربه جل وعلا، ثم يعتقد أنه على حق وأن مقابله على باطل، وإذا كان كذلك حصلت العداوة، وحصل التفرق في الدنيا كما حصل في الدين، ومن عداه على باطل، فكل منهم له دين ينتسب إليه ويدعو إليه ويكفر من خالفهم، كما قال تعالى في شأن أهل الكتاب من اليهود والنصارى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ} [البقرة: 113] . يعني: نفت اليهود على أن تكون النصارى على دين، {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} ، وهؤلاء الذين ينتسبون إلى كتاب كل منهما يبدع الآخر ويكفر الآخر، وهم منتسبون إلى كتاب، يعني: كتاب منزل من عند الله تعالى، فكيف بمن لم ينتسب إلى كتاب؟ فكونه يضلل غيره ويكفر غيره .. إلى آخره يكون من باب أولى وأحرى، {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} وهم المشركون، وصفهم بذلك لأنه لا كتاب عندهم، وهم أيضًا يكفر بعضهم بعضَا {فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} .