إذًا العلو المعنوي ثابت لله تعالى بإجماع أهل القبلة من أهل البدع وأهل السنة كلهم يؤمنون بأن الله عالٍ علوًا معنويًا وهو علو الصفة، بمعنى أن صفاته تعالى عُليا ليس فيها نقصٌ لوجهٍ من الوجوه، لكن اختلفوا في تقريب هذه القاعدة، هذه مقدمة متفق عليه بين المخالف والموافق، يعني: بين السلف وبين الخلف، أن الله تعالى عالٍ على خلقه من صفاته وأن له الصفات العليا بمعنى أنه لا يعتريها نقص لوجه من الوجوه ولكن في تطبيق هذه المقدمة حينئذٍ وقع النزاع عند المتأخرين، وأما السلف فلم يقع بينهم نزاع في ذلك البتة.
النوع الثاني: وهو العلو الذاتِي بمعنى أن ذاته تعالى فوق جميع مخلوقاته، بمعنى أن ذاته جل وعلا فوق جميع مخلوقاته، فيثبته أهل السنة السلف دون أهل البدعة، وهم يحرفون ذلك باتفاق، الجهمية والمعتزلة والأشاعرة ومن نحا نحوهم كلهم ينكرون علو الله تعالى بذاته ويعتقدون الله تعالى في كل مكان، تعالى الله تعالى عن قولهم ومعنى كون الله في السماء كما هو النص هنا {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} بمعنى أن الله تعالى على السماء لأنه قد يُشكل ظاهر اللفظ بأن الله تعالى في السماء داخل السماء وأن السماء تحويه، وهذا ليس المراد، لماذا؟ لأنه قد ثبت كما سبق كما سبق أن الله تعالى كامل في جميع صفاته، ومن ذلك ذاته فهي أكبر من مخلوقاته {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} [البقرة: 255] فحينئذٍ كيف يكون داخل السماء، حينئذٍ لا بد من نظر في قولنا في فيحتمل أن يحكون حرف الجر هنا في بمعنى على، وهذا وارد في لسان العرب أن يأتي هذا اللفظ بمعنى حرفٍ آخر، فحينئذٍ يكون {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} أي: من على السماء، وأل في السماء تكون للجنس، فيدخل فيه السماوات السبع حينئذٍ لا تعارض.