إذًا أن الله تعالى على السماء ففي بمعنى على، وليست بظرفية كما هو ظاهر اللفظ لأن السماء لا تحيط بالله تعالى، قد يقول قائل: هذا تأويل. نقول: نعم هو تأويل لكنه تأويل دل عليه دليل، وليس هو في ذات الصفة وإنما هو في تنزيه الرب جل وعلى عن أن يحويه شيء من مخلوقاته، وهذا باطل باتفاق، الموافق والمخالف لأن الله تعالى لا يحويه شيء البتة، حينئذٍ لا بد من صرف اللفظ عن ظاهره من حيث كونه يوهم أن الله تعالى داخل السماوات، فنقول: في بمعنى على. وهذا وارد في لسان العرب بل في القرآن قال الله تعالى عن فرعون: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71] يعني: على جذوع النخل، لأن جذوع في التصليب إنما يكون على ظهر الجذوع وليس في داخلها. {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} [محمد: 10] يعني: في الأرض يدخلون الأرض أم على الأرض، يعني: على الأرض ففي هنا بمعنى على. إذًا يَرِدُ في لسان العرب أن في بمعنى على، والتناوب هذا بين الحروف سائغ لكنه مختلف فيه، هل هو مجاز أم على حقيقته؟ هذا محل خلاف بين الكوفيين والبصريين، لكن الظاهر أنه قد تتناول الحروف بعضها أو بدل بعض، يعني: يستعمل في بمعنى على، كما يستعمل الباب بمعنى من {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا} [المطففين: 28] يعني: منها، العين لا يشرب بها إنما يشرب منها، حينئذٍ الباء هنا بمعنى من. إذًا في السماء يعني: على السماء، وهذا له وجه صحيح ودل عليه الاستعمال العربي، وكذلك في القرآن، ومنه {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} [الروم: 9] {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} [الحج: 46] يعني: على الأرض فيكون معنى من في السماء أي: من على السماء، وأل تكون للجنس يعني: السماوات السبع، أو نُبقي في على ظاهرها ونجعل السماء بمعنى آخر، وهو أن المراد به العلو لأن السماء كل ما علاك فهو سما، حينئذٍ قد لا يراد بالسماء هنا السماء المعهودة إنما المراد به العلو {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} أي: من في العلو، فالسماء بمعنى العلو وليس المراد بها السماء المبنية الظاهرة، ولو كانت السبع فالسماء بمعنى العلو واردة في اللغة بل في القرآن {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء} [الرعد: 17] والماء المطر لا ينزل من السماء إنما ينزل من السحاب. إذًا أطلق على السحاب أنه سماء بمعنى أنه ينزل المطر من العلو هذا المراد. إذًا {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء} فالماء ينزل من السحاب لا من السماء، حينئذٍ يكون معنى قوله: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} أي أأمنتم من في العلو، حينئذٍ لا تعارض بين المعنيين، وكلا المعنيين صحيحان، يعني إن حملته على أن اللفظ فيه بمعنى على، أو السماء بمعنى العلو كلاهما مستعمل في لسان العرب، وكلاهما صحيح، والترجيح هذا لا يعتبر هنا لأنه لا تعارض بين الطريقين، فكلاهما طريق صحيح، كما يرجح حكم شرعي على الحكم الآخر بعدة أدلة، إما الكتاب والسنة قياس إجماع تعارض قاعدتين حينئذٍ نقول هذا طريق صحيح وهذا طريق صحيح.