إذًا ما دام أنه استُعمل في القرآن على وفق لسان العرب فنثبته لفظًا ومعنًى، وإذا كان كذلك حينئذٍ هو موجود، الاستواء موجود، وكل موجودٍ لا بد له من كيفية، بمعنى ما هي الهيئة التي استوى الرحمن جل وعلا على العرش، هل له هيئة وكيفية؟ نقول: نعم، له هيئة وكيفية تليق به جل وعلا، فأخبرنا بالأول باللفظ ومعناه، ولم يخبرنا بالثاني، حينئذٍ يكون السؤال الصحيح هنا {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ما معنى استوى؟ فحينئذٍ يكون موافقًا للحق يعني: قد يجهل الإنسان معنى {اسْتَوَى} فيسأل عنه، وإذا سأل عنه حينئذٍ صار السؤال مطابق لما هو في الشرع، وأما إذا سأل عن الثاني وهو الكيفية، فنقول: الكيفية لا شك أنها موجودة، وأن ما من شيءٍ موجود إلا وله هيئة وكيفية، ولكن الله عز وجل لم يخبرنا كيف استوى، فنقول كما قال السلف: أخبرنا أنه استوى ولم يخبرنا كيف استوى، وهذه قاعدة مطردة في كل صفة، تقول: أخبرنا بأن له يدين، لكن كيف هذه اليدان؟ الله أعلم بها، لماذا؟ لأنه أخبرنا بأن له يدين ولم يخبرنا كيف هي. على أي وضعٍ كانت. وهنا قال: (يا أبا عبد الله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ) لو قال ما معنى استوى: لكن موافقًا لأنه سائل عن مدلول اللفظ وهو أمر مطلوبٌ شرعًا، وأما قوله: كيف استوى؟ نقول: السؤال من أصله بدعة. وهذا الأصل فيما يسأل به عن الصفات أو عن الغيبيات مطلقًا عن الغيبيات، فكل تكييف سواء كان لصفات الرب جل وعلا، أو لغيره نقول: هذا يعتبر من البدع ولو كان لأمور القبر مثلًا وما يجري في القبر، أو أمور الصراط والجنة والنار، نقول: هذا التكييف يعتبر من البدع، ولذلك ما يُشاع الآن من أساليب الدعوة أن توضع طائرة وقبر .. ونحو ذلك، هذا يعتبر من البدع لأنه يصور لك جنة ثم يحكي لك نار، ثم صراط، ثم سقوط، ثم كلاليب. نقول: هذا تكييف لشيءٍ لم يخبرنا الله عز وجل كيف هو، أخبرنا بالصراط ولم يخبرنا كيف هو، أخبرنا بالجنة وذكر أن لها أوصافًا لها ولم يخبرنا كيف هي، وما ذكر ليس كيفيات في الجنة صفات ليس بكيفيات وإنما هي صفات، وكذلك أخبرنا بالنار وذكر شيء من صفاتها ولم يخبرنا كيف هي، فإذا جاء مُدَّعٍ ورسم لنا نارًا ورسم لنا جنة. قلت: مبتدع. لماذا؟ لأنك كيفت شيئًا مغيبًا، أخبرنا لله عز وجل به بأسمائه ومعانيه ولم يخبرنا كيف هو، فإذا جئت بطائرة ونحو ذلك نقول هذا أصلًا مشابهة سفر الإنسان من الدنيا إلى الآخرة بهذه الطائرات هذا فيه نظر.
إذًا كيف استوى نقول: السؤال من أصله بدعة، لأنه سئل عن ما لا يعنيه، وكيفية الله عز وجل وكيفية صفاته أمرٌ لا يدركه العقل البتة، لا يمكن، من المحال أن يتصور العقل كيفية ذات الرب جل وعلا، أو كيفية صفة من صفاته، كيف استوى؟ فقال الإمام مالك رحمه الله تعالى: الاستواء غير مجهول. يعني: معلوم المعنى، وهو العلو والاستقرار، استواء غير مجهول والكيف غير معقول. يعني: كيفية الاستواء غير مدرجة للعقل لأنه تعالى أخبرنا أنه استوى ولم يخبرنا كيف استوى، ولأن الله تعالى أعظم وأجل من أن تدرك العقول كيفية صفاته البتة.