فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 401

إذًا القرآن منزل، {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1] ، {وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} [الإسراء: 106] ، إذًا القرآن منزل، ودليل أنه غير مخلوق قوله تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54] . {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ} الخلق مبتدأ مؤخر، وله خبر مقدم، {وَالْأَمْرُ} معطوف على الخلق، وهنا فيه حصر لأن الأصل في الخبر أن يكون مؤخرًا والمبتدأ مقدمًا، حينئذٍ إذا قدم ما حقه التأخير أفاد قصرًا والاختصاص كأنه قال: لله الخلق لا لغيره، ولله الأمر لا لغيره، كقوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] . لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك، من أين أخذنا هذا المعنى؟ نقول: من التقديم والتأخير، فنثبت العبادة لله عز وجل، وننفي العبادة عما سواه بدليل النص المذكور {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ، {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ} ، {أَلَا} أداة تنبيه، و {لَهُ الْخَلْقُ} الأصل الخلق له، ولكن قدم ما حقه التأخير لإفادة الاختصاص، فكما أنه لا يوصف غير الله بصفة الخلق، كذلك لا يوصف غير الله بصفة الأمر، وهنا عطف الأمر على الخلق {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} ، والأصل في العطف أنه يقتضي المغايرة، يعني: المعطوف والمعطوف عليه كل شيء أو كل واحد منهما منفصل عن الآخر منفك عنه، هذا هو الأصل جاء زيد وعمرٌ، عمرٌ معطوف على زيد، زيد ذات مستقلة بذاتها وعمرٌ ذات مستقلة بذاته كذلك، فحينئذٍ ليس عمرو جزء من زيد وليس زيد جزء من عمرو، فكل منهما منفك عن الآخر، هذا الأصل في العطف، وهنا قال: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} . والعطف يقتضي المغايرة، فغاير بين الخلق والأمر، إذًا الخلق شيء والأمر شيء آخر، انتبه لهذا، الخلق شيء والأمر شيء آخر، والقرآن من الأمر لا من الخلق، إذًا القرآن ليس بمخلوق، لماذا ليس بمخلوق؟ لقوله تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} . ودل الدليل على أن القرآن من الأمر لا من الخلق، لقوله سبحانه: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} [الشورى: 52] . وهو القرآن، فالقرآن أمر وهو قسيم للخلق لأنه في الآية الأولى جعل الأمر غير الخلق، والقرآن من الأمر، فالنتيجة أن القرآن غير مخلوق، ولأنه دليل آخر لأنه لو كان مخلوقًا لما صح أن يغاير بينهما ويجعله قسيمًا له، لأن الأصل في العطف كما ذكرنا يقتضي المغايرة، فكل واحد منهما مقابل للآخر، فعندنا قسمان: خلق، وأمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت