فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 401

ودليل أنه (منه بدأ) أن الله أضافه إليه، ولا يضاف الكلام إلا إلى من قاله ابتداءً، كما قال تعالى: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} . فيكون منه بدأ، أي: من الله تعالى، ومن هنا ابتدائية، منه بدأ وتقديم الجار والمجرور للدلالة على القصر والحصر بمعنى أنه بدأ منه تكلم به هو لا من غيره، ولو كان غيره حاكيًا فيُنسب لمن تكلم به ابتداءً [نعم] ، وقوله: (منه بدأ) . أي: لا من غيره، بتقديم المعمول على عامله، وقد أضيف القرآن إلى جبريل وإلى محمد - صلى الله عليه وسلم -، جاء في موضعين وإن تكرر المراد به جنس أضيف إلى جبريل عليه السلام كما في قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} [التكوير: 19، 20] . والرسول هنا الرسول الملكي، كما قال أهل العلم وهو جبريل الموكل بالوحي، {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} هنا أسنده وأضافه لمن؟ {رَسُولٍ كَرِيمٍ} وهو جبريل، هل صار به متكلمًا ابتداءً؟ الجواب: لا، والثاني في قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ} [الحاقة: 40، 41] . والمراد بالرسول هنا الرسول البشري، وهو محمد - صلى الله عليه وسلم -، في هذين الموضعين أضيف الكلام قول وهو القرآن إلى غير الله عز وجل، لكن نقول: المراد هنا بالإضافة للأدلة السابقة إضافة تبليغ، بمعنى أن جبرائيل عليه السلام بلغ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بهذا الكلام فهو مبلِّغ، كما تسمع الآن تقول: قال محمد هو ابن مالك، أنا مبلغ فتنسب الكلام أنك سمعته مني، لكن الأصل هو للمتكلم به ابتداءً، حينئذٍ إسناد القول القرآن هنا إلى جبريل لا يخرجه عن كونه كلام الله عز وجل، وإسناده إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - لا يخرجه عن كونه كلام الله عز وجل، وإنما أسند إليهما لكونهما مبلغين عن الله عز وجل فهما يبلغان القرآن لا أنهما ابتداءا القرآن ابتداءً فإنما ينسب للمتكلم أصلًا، إذًا زيادة قول: (منه بدأ) . لا بد منها، وأما زيادة (وإليه يعود) وهذه متعلقة بالمنتهى، وهذه مستحبة عند أهل العلم، يعني: لو تركها في بيان معتقد أهل السنة في القرآن لا إشكال فيها، فهي زيادة غير لازمة بل هي مستحبة، وفي تفسير هذه الجملة وجهان لأهل السنة إليه يعود ما المراد به؟ فيه وجهان:

الوجه الأول: إليه يعود، أي يرفع، يعني: في آخر الزمان، لا يبقى في الصحف ولا في الصدور قرآن، فليتمس الناس القرآن فلا يذكرون شيئًا البتة، فالمراد بـ إليه يعود، أي: يرفع كما جاء في بعض الآثار أنه يسرى عليه في ليلة فيصبح الناس وليس في صدورهم ولا في مصاحفهم فيرفعه الله تعالى، ليس معهم قرآن، روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قوله: «لينزعن القرآن من بين أظهركم، يسرى عليه ليلًا، فيذهب من أجواف الرجال فلا يبقى في الأرض منه شيء» . رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، غير شداد بن معقل وهو ثقة، وهو حديث ثابت، إن كان منسوبًا لابن مسعود موقوف لكنه له حكم الرفع لما ذكرناه سابقًا، وقال ابن حجر في الفتح: سنده صحيح لكنه موقوف على ابن مسعود. وهذا كما ذكرناه لأنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت