فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 401

دخل فيه القضاء، حكمه هذا قدر الله، حينئذٍ دخل فيه الحكم لأنه أفرد هذه الكلمة وهي القدر ولم يذكر معها القضاء، فحينئذٍ دخل القضاء في القدر، وأما إذا ذكر كل واحد منهما افترقا حدًا، فالتقدير هو ما قدره الله تعالى في الأزل أن يكون بخلقه، التقدير السابق، يعني: ما يسبق وقوع المقدور الذي يسبقه قبل أن يخلق هذا يسمى قدرًا، والقضاء إذا وقع وجد يعني خلق حينئذٍ سمي قضاءً، فالقضاء سابق والقدر لاحق، لأنه لا قضاء إلا بقدر بمعنى يقدره الله عز وجل أولًا فيكتبه في اللوح المحفوظ ويشاءه ثم يخلقه فإذا خُلِقَ صار قضاءً، إذًا القدر ما يسبق وقوع المقدور فإذا وقع وقضي سمي قضاءً، والقضاء ما قضى الله به وحكم في خلقه من إيجاد أو إعدام أو تغير أو نحو ذلك، وعلى هذا يكون التقدير سابقًا، وعرف بعضهم القدر بقوله: هو تعلق علم الله وإرادته أزلًا بالكائنات قبل وجودها فلا حادث إلا وقد قدره الله أزلًا، أي: سبق به علمه وتعلقت به إرادته، وهو الذي ذكرناه سابقًا من التقدير السابق على الخلق، والإيمان بالقدر واجب، حكمه الوجوب، ومرتبته في الدين أنه أحد أصول الإيمان الستة المذكورة في حديث جبريل وغيره حين قال سائلًا ... النبي - صلى الله عليه وسلم - ما الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره» . هذا هو الركن السادس من أركان الإيمان وهو الإيمان بالقضاء والقدر، أو بالقدر خيره وشره، فمن لم يؤمن به لم يأتي بالإيمان، لأن الإيمان الذي عرفه النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه الأصول الست حينئذٍ نقول: لا يتأكد ولا يتحقق الإيمان إلا بها مجتمعة، وأما أن يؤمن ببعض ولا يؤمن بآخر كمن لا يؤمن بشيء، وأجمع عليها أهل السنة والجماعة ولم يخالف في ذلك إلا مجوس هذه الأمة القدرية، وقد خرجوا في أواخر عهد الصحابة وأنكر عليهم الصحابة الموجودون إذ ذاك، ولذا قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كما في صحيح مسلم: (( والذي نفسي بيديه لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبًا ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره ) ). ثم استدل بالحديث المذكور حديث جبريل أنه جاء للنبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، إذًا والذي نفسي بيديه لو كان لأحدهم مثل أُحُد ذهبًا ما قبله الله منه حتى يؤمن، إذًا لا يقبل الله منهم الصدقة حتى يؤمن بالقدر، ولا يقبل الله منه الصدقة لماذا؟ لانتفاء الإيمان، أليس كذلك؟ {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ} [التوبة: 54] ، إذًا لكفره لا يقبل الله عز وجل منه ولو أنفق مثل أحدٍ ذهبًا، فجعل الإيمان بالقدر سادس الأصول فمن أنكره فليس بمؤمن، بل ولا مسلم، فلا يقبل عمله البتة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت