إذًا لكم مشيئة لكنها ليست مستقلة بل هي تابعةٌ لمشيئة الله عز وجل، وهذا أمرٌ مدركٌ بالفطرة والحس كل إنسان يعلم أنه يستطيع، تقدم على هذا العمل أو لا؟ لك حرية، وإن كانت هذه الحرية مقيدة فلا خروج له عن مشيئة الله كما لا خروج له عن علمه، ولكن مشيئة العبد تابعةٌ لمشيئة الله في كل شيء، مما يوافق ما شرعه وما يخالفه من أفعال العبد وأقواله، فالكل بمشيئة الله، يعني: سواءٌ وقعت المعصية فهي بمشيئة الله، وسواءٌ وقعت الطاعة فهي بمشيئة الله، لأنه لا يكون شيءٌ في هذا الوجود إلا والله خالقه، سواءٌ كان هذا المخلوق مرضيًّا للخالق كالطاعة والإيمان والمطيعين، أو كان مبغوضًا للخالق كالكافر مثلًا والكفر والفسق وأهله، [فما وافق] [1] فالكل بمشيئة الله، فما وافق شرعه رضيه الله عز وجل وأحبه، وما خالفه كرهه جل وعلا وأبغضه، كما قال سبحانه: {إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: 7] . وقد وقع، كيف لا يرضى لعباده الكفر؟ لا يحبه ولا يرضاه ولم يأمر به، بل أبغضه وكرهه ومع ذلك أراده كونًا فوقع، ولذلك الإرادة الكونية هي التي تفسر بالمشيئة، والمشيئة هي التي تفسر بالإرادة الكونية، كما سيأتي وقال تعالى: {وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} . فيها دليلٌ على شمول قدرته، قدرته شاملة لا يعجزه شيءٌ البتة، فكل ممكن مندرج فيها فـ {اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} من الموجودات والمعدومات والقدرة تتعلق بالموجود بإيجاده أو إعدامه أو تغييره، بمعنى الموجود كالجبل مثلًا، الجبل مخلوق قدرة الله تتعلق بإعدامه يعدم يمسح بالأرض، أو تغييره بالرياح ونحوها، أو تبديله، أو نحو ذلك، والقدرة تتعلق بالموجود بإيجاده، أو إعدامه، أو تغييره، بإيجاده مثلًا مثال آخر كالمولود يولد الإنسان {لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا} [الإنسان: 1] ثم كان، إذًا كان معدمًا، فحينئذٍ أوجده الله عز وجل ثم يعيش ثم يموت أو يتغير يكون طفلًا ثم يمشي ثم إلى آخره هذا كله تغيير، حينئذٍ لا يكون هذا التغيير والتبديل في مراحل العمر مثلًا كالنمو ونحوه هذا لا يكون إلا بقدرة الله عز وجل، وفي المعدوم بإيجاده تتعلق به القدرة بالإيجاد، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} . وقال تعالى: {إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] . وقال تعالى: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم: 9] . أي: شيئًا في الخارج، وإن كان شيئًا في علمه، {قَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} {شَيْئًا} في ماذا؟ في علمه؟ أو في الخارج؟ نقول: المراد به في الخارج، وأما المحال بذاته هل تتعلق به القدرة؟ نقول: هذا لا يتصور وجوده أصلًا، يعني: هل لو قال قائل: هل الله عز وجل.
(1) سبق. دد