لكمال صفاته كذلك تقول: {مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا} لكمال غناه، {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} [ق: 38] لكمال قدرته ونحو ذلك، فكل صفة منفية في الكتاب والسنة عن الله عز وجل فليس النفي مجرد وإنما هو متضمن لإثبات صفة من جهة العكس والاستلزام، فطريقة الرسل نفي المجمل وإثبات ومفصل، وأن الإثبات يقصد لذاته، والنفي مقصود لغيره، فالأصل في باب الإثبات هو التفصيل، والأصل في باب النفي هو الإجمال، هذا الأصل وقد يخرج عن الأصلي لسببٍ، وقد جاء إثبات مجمل ونفي مفصل، إثبات مجمل مثل ماذا؟ ... {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} [الأعراف: 180] الأسماء الحسنى ورد وصف الرب جل وعلا بها على جهة الإجمال وعلى جهة التفصيل، {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} جاءت في أربعة مواضع كما سيأتي، هذا إجمال لأنه ما سمى لنا هذه الأسماء {وَلِلّهِ الأَسْمَاء} ما هي هذه الأسماء؟ وجاء تفصيلها كما ذكرناه في آخر سورة الحشر، إذًا جاء مجمل وجاء مفصل، أيهما أكثر؟ كم عدد كبير في القرآن من الأسماء على جهة التفصيل، {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} جاءت في أربعة مواضع فقط، إذًا أيهما أكثر نقول: الإثبات المفصل أكثر، لأنه مقصود لذاته، وهذا هو الذي يحصل به الكمال، إذا أردت أن تمدح شخصًا فتقول: هذا كذا وكذا كريم وجواد، كلما زدت وصفًا رفعت من شأنه، والله المثل الأعلى والحكم كذلك، فإثبات مجمل نحو قوله تعالى: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} ، {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ} ... [النحل: 60] يعني الوصف الأكمل هذا إجمال والنفي المفصل {مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا} [الجن: 3] ، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} ، {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} [البقرة: 255] لكمال ماذا؟ حياته وقَيُّومِيَّتِهِ {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} [ق: 38] هذا نفي مفصل إنما يكون لماذا؟ بسبب، إذًا القاعدة العامة في باب الأسماء والصفات لأننا ذكرنا أن قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} . أنه قاعدة وهو أم القواعد، وهذه الآية دلت على أن الله تعالى يوصف بالإثبات ويوصف بالنفي، لكن ليس على إطلاقه وإنما الطريقة المحمودة، وهي: طريقة الرسل، وقد توسع في ذلك شيخ الإسلام في التدمورية وغيرها أن الطريقة المحمودة هي طريقة الرسل والأنبياء إنما جاءوا بإثبات مفصل ونفي مجمل قد يأتي العكس لسبب ما، فإذا جاء الإثبات المفصل لا يسأل عنه، وإذا جاء النفي المفصل حينئذٍ لا بد من سبب.