(فدليل القربة) يعني ما الذي دلل على أن حجة المشركين هذه, لأن ما وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لابد أن يكون منقولًا, وقد دلل على ذلك نص القرآن, قد أجمع أهل السنة والجماعة على هذا المفهوم, (فدليل القربة) الفاء فاء الفصيحة, (قوله تعالى {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} ) , {وَالَّذِينَ} أي المشركون, {اتَّخَذُوا} اتخذ بمعنى جعل وصيّر, {مِن دُونِهِ} أي من دون الله تعالى, {أَوْلِيَاء} الأولياء جمع ولي وهو يصدقُ على الأصنام والملائكة وعيسى وكل ما عُبِدَ من دون الله عز وجل فإنما يعتقد من عبده أنه ولي, {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء} قالوا {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (زلفى) فُعْلَى اسمٌ أُقيم في مقام المصدر أي إلا ليقربونا إلى الله تقريبا, قال قتادة: وذلك أنهم إذا قيل لهم من ربكم؟ ومن خلقكم؟ ومن خلق السماوات والأرض؟ قالوا الله, فيُقال لهم ما معنى عبادتكم الأوثان؟ قالوا ليقربونا إلى الله زلفى, إذًا ليقربونا إلى الله زلفى هذه هي حجة المشركين في كل زمانٍ ومكان, كما أن المشركين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قد احتجوا بهذه الحجة والدليل الذي معنا نصٌ في هذا المقام حينئذ هذه حجةٌ ثابتةٌ في كل زمانٍ ومكان, ما من مشرك إلا ويصرف نوعًا من أنواع العبادة لمعبوده ثم يدعي أنه ليس إلها مستقلًا وإنما جعله واسطةً بينه وبين الله عز وجل, حينئذ هذه المعاني .. نقول .. قد عُلِقَت عليها أحكام, فمتى ما وُجِدَت هذه المعاني رتبنا عليه الحكم وهو وجود الشرك, إذ هذا هو حقيقة الشرك, فمتى ما جعل بينه وبين الله تعالى واسطة يصرف إليه نوعًا من أنواع العبادة هنا ثَمَّ الشرك الذي حكم الله عز وجل على صاحبه أنه خالدٌ مخلدٌ في .. في النار, إذا {مَا نَعْبُدُهُمْ} أي قالوا, {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا} (ما, إلا) هذه أعلى صيغ الحصر, ففي حصر قولهم ما نعبدهم لعلة من العلل إلا لأجل التقريب, إذا فهم أرادوا ماذا؟ أرادوا ما عند الله, أرادوا .. ما عند الله, يعني المشرك إنما أراد أن يصل إلى رضوان الله عز وجل لكنه بطريق غير مأذون له شرعًا.
{إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُم} , {إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} عرفنا المراد بـ زلفى أي تقريبا, وهم لا يسمونه شركًا وإنما يسمونه تقربًا وتوسلًا وشفاعةً ونحو ذلك من الأسماء البرّاقة التي يُنفى أو يُسلب اسم الشرك عنها وتوضع أسماء مرادفة لـ .. للمعنى والعبرة بالمعاني, العبرة بـ .. بالمعاني.