عن ذلك مما تدلُ عليه السلائفُ والفطر من الأخلاق والآداب والسلوك فإن هذا مما لا يُنسخُ في سائر الشرائع؛ فإن الشرائع يؤكدُ بعضُها بعضًا.
أنزل اللهُ جل وعلا هذه الشريعة على محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ولم يكن ثمةَ تفريطٌ بين أجزائها فكان العلماءُ ينظرون إليها إلى أنها الدين، ولهذا لم يظهر علم الشريعة على هذه التقسيمات التي لدى المُتأخرين في علم العقائدِ أو علم الأصولِ والفروع أو علم التوحيد والفقه والتفسير وكذلك الحديث وعلم الدراية والرواية ونحو ذلك إلا في القرن الثالث أو أوائل القرن الثالث.
وإن وجدَ في كلامِ بعض العُلماء ما يدلُ على نحوٍ من هذا فإنهم يريدون بذلك المعاني اللغوية ومن المعاني الاصطلاحية التي درج عليها العُلماء المتأخرون، ولهذا قد ذكر غيرُ واحدٍ من العُلماء أن تلقي العلماء الأوائل للشريعة على سبيلِ الإجمال مع تفرغ الوقت والنهم بالإقبالِ على ذلك أداهم إلى المكنةِ في العلم، وكذلك الرسوخ في التحصيل وقوة الاستنباط، وذلك أن الشريعة متلازمة.
فمن نظر إلى علوم الشريعة في أبوابِ العقائد وأبوابِ كذلك الفروع من الأعمال الظاهرة، كذلك أيضًا في أبوابِ الفقه والتفسير وكذلك الحديث وغيرها يجدُ أنها تتداخل لأن مصدرها الوحي، والوحي عمدته إلى النقل، والنقل يرجعُ إلى الرواة، والرواة مركبون أيضًا من جملةٍ من المسائل سواءً ما يتعلق بألفاظ التعديل والتجريح أو ما يتعلق بصيغِ السماع على اختلافها وتباينها.
كذلك ذات الرواة يتباينون من جهةِ أحوالهم، من جهة العدالة والضبط ومن جهة اختصاصهم في الشيوخِ، ويتباينونَ أيضًا من جهةِ التقليل والكثرة وكذلك من جهة الاختصاص في بابٍ من الأبواب.
وهذا كلهُ مردهُ إلى علمٍ واحد يشتركُ من جهة الأصل في سائرِ العلوم، فالشريعةُ كُلها لا تثبتُ إلا من جهةِ ما يُسمى بالصناعةِ الحديثية أو علمُ الرواية، فإذا كان مرد الشريعة إلى هذا العلم دل على اشتراك العلوم وتداخلِها بعضها مع بعض، كذلك فإن الإنسانَ عند حكمه على قاعدةٍ مُعينة فإنه قد يستفيد إذا حكمَ في قاعدةٍ في الفروع يستفيد من الأصول إذا وجد له ما يُشابهها سواءً في قواعدِ الأصول أو قواعد