الصفحة 15 من 20

يأذن لهم فيه وهاهنا لما أعلمهم أنه سيخلق في الأرض خلقًا قال قتادة وقد تقدم إليهم أنهم يفسدون فيها فقالوا {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} الآية وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك يقولون ربنا ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء فإن كان المراد عبادتك فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك أي نصلي لك كما سيأتي، أي ولا يصدر منا شئ من ذلك وهلا وقع الاقتصار علينا؟ قال الله تعالى مجيبًا لهم عن هذا السؤال {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي: أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم فإني سأجعل فيها الأنبياء وأرسل فيهم الرسل ويوجد منهم الصديقون والشهداء والصالحون والعباد والزهاد والأولياء الأبرار والمقربون والعلماء العاملون والخاشعون والمحبون له تبارك وتعالى المتبعون رسله صلوات الله وسلامه عليهم وقد ثبت في الصحيح أن الملائكة إذا صعدت إلى الرب تعالى بأعمال عباده يسألهم وهو أعلم كيف تركتم عبادي؟ فيقولون أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون وذلك لأنهم يتعاقبون فينا ويجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة العصر فيمكث هؤلاء ويصعد أولئك بالأعمال كما قال عليه الصلاة والسلام [فيما رواه مسلم في صحيحه بسنده من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ، فَقَالَ:"إِنَّ اللَّهَ تعالى لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ"، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: النَّارُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ، مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ] فقولهم أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون من تفسير قوله لهم {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} وقيل معنى قوله جوابًا لهم {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} إني لي حكمة مفصلة في خلق هؤلاء والحالة ما ذكرتم لا تعلمونها وقيل إنه جواب {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} فقال {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي من وجود إبليس بينكم وليس هو كما وصفتم أنفسكم به وقيل بل تضمن قولهم {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} طلبًا منهم أن يسكنوا الأرض بدل بني آدم فقال الله تعالى لهم {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} من أن بقاءكم في السماء أصلح لكم وأليق بكم ذكرها الرازي مع غيرها من الأجوبة والله أعلم.

هذا كلام ابن كثير في المسألة والشاهد منه قوله أي قومًا يخلف بعضهم بعضًا قرنًا بعد قرنٍ وجيلًا بعد جيلٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت