بالملائكة يسجدون لا يتخلف منهم أحد عن السجود ولكن يبقى مخلوق لا يسجد بعد فيسأله رب العالمين {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ} {ص:75} أي تكبرت على أمري معاندةً ومشاقةً أم أنك في مكانة أعلى من هذا الأمر فيرد إبليس بهذا الجواب {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} {الإسراء:61} أدخل القياس العقلي ليثبت بهذا القياس مَنْ أفضل الذي خلق من طين أم الذي خلق من نار؟ فبالقياس الفاسد أثبت لنفسه أن النار أفضل من الطين فلذلك لم يسجد لأنه قال خلقتني من نار وخلقته من طين فكانت هذه المعصية سببًا لخروجه من الإسلام كلية مع أنها معصية واحدة ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم - كما روى مسلم في كتاب الإيمان من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ *
لأن إبليس أول من سن هذه السنة السيئة وهي سنة الكبر فتبعه فيها من بعده فكان عليه كفل من أوزار كل المتكبرين سواء كانوا من الجن أو الإنس وذلك كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما روى البخاري والترمذي وأحمد وهذا لفظ البخاري من حديث عَبْدِاللَّهِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ مِنْ دَمِهَا لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ أَوَّلًا *
3 -إن آدم عصى ربه وذلك بنص القرآن الكريم وعصى آدم ربه فغوى ولكن آدم لما علم حقيقة الأمر لم ينكر ولكنه رجع إلى الحق وتاب إلى الله عز وجل وهذا دأب المؤمنين أنهم إذا أخطئوا - وهذا واقع منهم لا محالة - تابوا إلى الله وأنابوا ولهم البشرى وذلك يتمثل في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الترمذي وابن ماجة وأحمد والدارمي وهذا لفظ الترمذي من حديث أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ.
4 -إن آدم سكن أول ما سكن في الجنة والله هو الذي أسكنه هذه الجنة وهي جنة الخلد على الرأي الراجح من كلام أهل العلم وهذا ما يذكرنا أن المعصية تقلل من مكانة الإنسان لأن آدم عصى فهبط من الجنة إلى الأرض وقطعًا الجنة أفضل من الأرض لأن الجنة نعيمٌ دائمٌ والأرض فتنةٌ وبلاءٌ وتعبٌ ونصبٌ وشقاءٌ فيالها من معصية تجعل الإنسان ينتقل هذه النقلة التي لا وجه مقارنة بينهما ولكن تقدير الله فوق كل شئ.