الصفحة 53 من 490

: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -"يُجَاءُ بِنُوحٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ، فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ، فَتُسْأَلُ أُمَّتُهُ هَلْ بَلَّغَكُمْ، فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيَقُولُ: مَنْ شُهُودُكَ؟، فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَيُجَاءُ بِكُمْ فَتَشْهَدُونَ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا، قَالَ: عَدْلًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا."

دل هذا على أن الأمة الوسط المفسر بالعدل هي التي تشهد لنوح عليه السلام بأنه قد بلغ والعدل في الغالب يأتي وسطا بين طرفين ذميمين قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ:"اتَّقُوا اللَّهَ يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ، خُذُوا طَرِيقَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَاللَّهِ لَئِنِ اسْتَقَمْتُمْ لَقَدْ سُبِقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا، وَلَئِنْ تَرَكْتُمُوهُ يَمِينًا وَشِمَالا لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلالا بَعِيدًا"

ولذلك كان التطرف إما المجافاة عما أمر الله عز وجل وأمر به رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو الغالي في أمر الله أو في أمر رسوله فكلاهما مضيع لأمر الله لأن كلاهما قد تجاوز الحد ثم إن هذه الوسطيه جاءت بوصف الله عز وجل لهذه الأهة وليس بحكم الناس لها أو عليها ذلك بقوله (جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)

ومن هنا يتبين أن الوسطية في هذه الأمة ليست معيارا بشريا ولكنها صفة تميزت بها في هذا الدين وتميزت بها شرائعها التي هي من عند الله عز وجل فالدين وأهله براء من الانحراف سواء كان هذا الانحراف بالجنوح إلى الغلو أو الجنوح إلى التقصير

وصور هذه الوسطيه ومظاهرها في الدين كثيره إذ هي شاملة لجميع جوانب الحياه فكل أمر من أوامر الإسلام جاء على وفق العدل ولكني أورد هنا مثالا الغلو ببيان العدل والوسط أولا فنحن نرى أن اليهود قال الله تعالى عنهم {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [البقرة:96] وهذا وصف من الله عز وجل لهم يبين لنا حقارة منهجهم الدنيوي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت