الأمر الآخر: أن الله جل وعلا قد جعل في يد السلطان ما لا يكون في يد العالم، فالعالم يبين والسلطان يقيم. وإذا نظرنا إلى الصدر الأول بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم نجد أن ولاة أمور المسلمين هم علماء وسلاطين، ولهذا جاءت النصوص بإطلاق ولاة أمر المسلمين وطاعتهم، باعتبار أن الأصل فيهم اكتمال أهلية العلم مع ولاية أمر المسلمين، ولكن لما تقادم العهد انفصل العلم عن السلطان، فتولى كثيرًا من ولايات أمور المسلمين من يجهل أمور الدين، وبقيت كلمة الأمر بطاعة ولاة أمور المسلمين يتنازعها العلماء والأمراء، فأصبح كثير من العامة يستشكل هذا الأمر، وغلب في أكثر العصور إطلاق هذه النصوص على السلاطين وفي هذا الإطلاق نظر، فإن الطاعة المطلقة تجب للعالم الآمر بأمر الله سبحانه وتعالى إذا تحقق فيه وصف السلطان، وإذا لم يتحقق معه وصف السلطان والأمر والنهي، فإنه ينصرف إليه أولى من السلطان الذي لا يفقه من دين الله عز وجل شيئًا. ومن احتج بجملة من النصوص المطلقة العامة، فيقال: إن الأصل في ولي الأمر أن يكون عالمًا بشريعة الله، أو يكون لديه من العلماء من يقيم له أمر الله سبحانه وتعالى ونصوصه، وأن يعلمه مواضع الأحكام والحدود ويبين له التشريع، فإذا كان كذلك فإنه من أهل العلم حكمًا، ويدخل في عداد المقلدين ممن ينتسب إلى العلم وهم كثير، ولهذا يتجاوز بعض العلماء ويطلق عليهم لفظ علماء، ومن هذا الأمر أنه قد يوجد من الفقهاء من يهون من بعض الأحكام الشرعية باعتبار أنها لهو ولعب وما قصد ذلك، ويجب على العلماء العارفين بأمر الله أن يبينوا الأمر، وأنه إذا توسع هذا الأمر قلل من شأن شريعة الله جل وعلا وأمره، وخرج عن دين الله سبحانه وتعالى بتسويغات ليست بظاهرة.