فهرس الكتاب

الصفحة 1443 من 1944

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْبَيَانِيُّونَ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {صم بكم عمي} إِنَّهُ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ أَوِ اسْتِعَارَةٌ؟ وَالْمُحَقِّقُونَ -كَمَا قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ - عَلَى الْأَوَّلِ قَالَ: لِأَنَّ الْمُسْتَعَارَ لَهُ مَذْكُورٌ - وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ - أَيْ مَذْكُورٌ فِي تَقْدِيرِ الْآيَةِ وَالِاسْتِعَارَةُ لَا يُذْكَرُ فِيهَا الْمُسْتَعَارُ لَهُ وَيُجْعَلُ الْكَلَامُ خِلْوًا عَنْهُ بِحَيْثُ يَصْلُحُ لأن يراد به المنقول عنه و [المنقول] إليه لولا لا قرينة وَمِنْ ثَمَّ تَرَى الْمُفْلِقِينَ السَّحَرَةَ مِنْهُمْ كَأَنَّهُمْ يَتَنَاسَوْنَ التَّشْبِيهَ وَيَضْرِبُونَ عَنْهُ صَفْحًا.

وَقَالَ السَّكَّاكِيُّ: لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الِاسْتِعَارَةِ إِمْكَانَ حَمْلِ الْكَلَامِ عَلَى الْحَقِيقَةِ فِي الظَّاهِرِ وَتَنَاسِي التَّشْبِيهِ وَزَيْدٌ أَسَدٌ لَا يُمْكِنُ كَوْنُهُ حَقِيقَةً فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعَارَةً.

الثَّانِي: قَدْ يُتْرَكُ التَّشْبِيهُ لفظا ويراد معنى إذ لَمْ يُرَدْ مَعْنًى وَلَمْ يَكُنْ مَنْوِيًّا كَانَ اسْتِعَارَةً.

مِثَالُهُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} ، فَهَذَا تَشْبِيهٌ لَا اسْتِعَارَةٌ لِذِكْرِ الطَّرَفَيْنِ الْخَيْطِ الأسود وهو ما يمتد معه مِنْ غَسَقِ اللَّيْلِ شَبِيهًا بِخَيْطٍ أَسْوَدَ وَأَبْيَضَ وَبُيِّنَا بِقَوْلِهِ: {مِنَ الْفَجْرِ} وَالْفَجْرُ - وَإِنْ كَانَ بَيَانًا لِلْخَيْطِ الْأَبْيَضِ - لَكِنْ لَمَّا كَانَ أَحَدُهُمَا بَيَانًا لِلْآخَرِ لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ اكْتُفِيَ بِهِ عَنْهُ وَلَوْلَا الْبَيَانُ كَانَ مِنْ بَابِ الِاسْتِعَارَةِ كَمَا أَنَّ قَوْلَكَ رَأَيْتُ أَسَدًا اسْتِعَارَةٌ فَإِذَا زِدْتَ مِنْ فُلَانٍ، صَارَ تَشْبِيهًا وَأَمَّا أَنَّهُ لِمَ زِيدَ [مِنَ الْفَجْرِ] حَتَّى صَارَ تَشْبِيهًا؟ وَهَلَّا اقتصر به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت