الصفحة 109 من 284

وبهذه المناسبة فإني أرجو من فضيلتكم الإفادة عما لديكم في هذا الموضوع، والذي يظهر لأخيكم أن الطاعة أوسع من العبادة فكل عبادة لله موافقة لشريعته تسمى طاعة وليس كل طاعة بالنسبة إلى غير الله تسمى عبادة، بل في ذلك تفصيل، أما بالنسبة إلى الله _ سبحانه _ فهي عبادة له لمن أراد بها وجهه لكن قد تكون صحيحة، وقد تكون فاسدة على حسب اشتمالها على الشروط المرعية في العبادة، وتخلَّف بعض الشروط عنها.

فأرجو من فضيلتكم الإفادة المفصلة عما ترونه في هذه المسألة، ومما يزيد الأمر وضوحًا أن من أطاع الله في بعض الأمور وهو متلبس بالشرك يستحق أن تنفى عنه العبادة.

كما قال الله سبحانه في حق المشركين: [وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ] فنفى عنهم العبادة من أجل شركهم ومعلوم أنهم يعبدون الله في الشدائد، وبالحج، والعمرة، وبالصدقات في بعض الأحيان، ونحو ذلك.

ولكن لما كانت هذه العبادة مشوبةً بالشرك في الرخاء، وعدم الإيمان بالآخرة إلى غير ذلك من أنواع الكفر _ جاز أن تنفى عن أصحابها.

ومما يزيد الأمر بيانًا _ أيضًا _ أن من أطاع الأمراء وغيرهم في معاصي الله لا يسمى عابدًا لهم إذا لم يعتقد جواز طاعتهم فيما يخالف شرع الله، وإنما أطاعهم لحظٍّ عاجل، واتباعًا للهوى، وهو يعلم أنه عاصٍ لله في ذلك؛ فإن مثل هذا يعتبر عاصيًا بهذه الطاعة، ولا يعتبر مشركًا إذا كانت الطاعة في غير الأمور الشركية كما لو أطاعهم في ضرب أحد بغير حق، أو قتل أحد بغير حق، أو أخذ مال بغير حق، ونحو ذلك.

والأمثلة في هذا الباب كثيرة وما أظن هذا الأمر يخفى على من دونكم من أهل العلم.

لكن لما كان هذا الأمر قد أشاعه عنكم من أشاعه وجب عليّ أن أسألكم عنه، وأطلب من فضيلتكم تفصيل القول فيه حتى ننفي عنكم ما يجب نفيه، وندافع عنكم على بصيرة، ونوضح الحق لطالبه فيما يتعلق بالجماعة الإسلامية.

وإن كان ما نسب عنكم هو كما نسب تذاكرنا فيه وبحثناه من جميع وجوهه، وناقشنا مواضيع الإشكال بالأدلة، والحق هو ضالة الجميع؛ فنسأل الله _ عز وجل _ أن يوفقنا وإياكم لما يرضيه، وأن يمنحنا جميعًا الفقه في دينه والثبات عليه، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا وأن يجعل الحق ضالتنا أينما كنا إنه جواد كريم_ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت