فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 630

وَهيَ قَوَانينُهُمُ الَّتي تُسَاوي بَيْنَ رَعَايَهُمْ في بلَادهمْ، عَلَى أَنَّ لَهُمْ أَعْدَاءً في اورُبَّا وَقَدْ يَبْخَلُونَ عَلَيْهمْ في أَلْمَانْيَا بلَقَب الْأَلْمَانيّ وَيُعَبّرُونَ عَنْهُمْ بلَقَب الْيَهُوديّ.

وَهَلْ تَرْتَفعُ عَنْهُمُ الْمَسْكَنَةُ فَيَكُونُ لَهُمْ مُلْكٌ وَسُلْطَانٌ في يَوْمٍ منَ الْأَيَّام؟ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا يُحْتَاجُ فيه إلى بَسْطٍ، فَأَمَّا منَ الْجهَة الدّينيَّة فَهُمْ يَقُولُونَ بأَنَّهُمْ مُبَشَّرُونَ بذَلكَ بظُهُور مَسيح مسيا فيهمْ وَمَعْنَاهُ ذُو الْمُلْك وَالشَّريعَة، وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ: إنَّ هَذَا الْمَوْعُودَ به هُوَ الْمَسيحُ عيسَى بْنُ مَرْيَمَ - عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَالْمُرَادُ بالْمُلْك الَّذي يَجيءُ به: الْمُلْكُ الرُّوحَانيُّ الْمَعْنَويُّ. وَفي إنْجيل بَرْنَابَا عَن الْمَسيح: أَنَّ ذَلكَ الْمَوْعُودَ به هُوَ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ - أَيْ فَهُوَ الَّذي جَاءَ بالنُّبُوَّة الَّتي اسْتَتْبَعَت الْمُلْكَ. وَمَحَلُّ هَذَا الْبَحْث تَفْسيرُ قَوْله - تعالى - فيهمْ: عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإنْ عُدْتُمْ عُدْنَا فَإنَّهُ ذَكَرَ هَذَا بَعْدَ ذكْر إفْسَادهمْ في الأرض مَرَّتَيْن وَتَسْليط الْأُمَم عَلَيْهمْ، وَأَمَّا منَ الْجهَة الاجْتمَاعيَّة فَيُبْحَثُ فيه عَنْ تَفَرُّقهمْ في الأرض عَلَى قلَّتهمْ، وَعَن انْصرَافهمْ عَنْ فُنُون الْحَرْب وَأَعْمَالهمْ، وَضَعْفهمْ في الْأَعْمَال الزّرَاعيَّة لعنَايَتهمْ بجَمْع الْمَال منْ أَقْرَب الْمَوَارد وَأَكْثَرهَا نَمَاءً وَأَقَلّهَا عَنَاءً كَالرّبَا. وَلَا مَحَلَّ هُنَا لتَفْصيل ذَلكَ وَبَيَان عَلَاقَته بالْمُلْك.

ثُمَّ عَلَّلَ - تعالى - هَذَا الْجَزَاءَ وَبَيَّنَ سَبَبَهُ فَقَالَ: ذَلكَ بأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَات اللَّه وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبيَاءَ بغَيْر حَقٍّ وَتَقَدَّمَ مثْلُهُ في الْبَقَرَة: أَيْ ذَلكَ الَّذي ذُكرَ منْ ضَرْب الذّلَّة وَالْمَسْكَنَة عَلَيْهمْ، وَخلَافَتهمْ بالْغَضَب الْإلَهيّ، بسَبَب كُفْرهمْ وَقَتْلهمُ الْأَنْبيَاءَ بغَيْر حَقٍّ تُعْطيهمْ إيَّاهُ شَريعَتُهُمْ. وَفي التَّنْصيص عَلَى كَوْن ذَلكَ بغَيْر حَقٍّ مَعَ الْعلْم به تَغْليظٌ عَلَيْهمْ وَتَشْنيعٌ عَلَى تَحَرّيهمُ الْبَاطلَ وَكَوْن ذَلكَ عَنْ عَمْدٍ لَا عَن الْخَطَأ. ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ هَذَا الْكُفْر وَالْعُدْوَان الشَّنيع فَقَالَ: ذَلكَ بمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ أَيْ جَرَّأَهُمْ عَلَى ذَلكَ سَبْقُ الْمَعَاصي وَالاسْتمْرَارُ عَلَى الاعْتدَاء فَتَدَرَّجُوا منَ الصَّغَائر إلى الْكَبَائر إلى أَكْبَر الْمُوبقَات وَهُوَ الْكُفْرُ وَقَتْلُ الْأَنْبيَاء الْمُرْشدينَ وَالْهُدَاة الصَّالحينَ الَّذينَ يَأْمُرُونَ بالْمَعْرُوف وَيَنْهَوْنَ عَن الْمُنْكَر، فَصَارَ هَذَا الْعصْيَانُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت