وَالاعْتدَاءُ خُلُقًا للْأُمَّة وَطَبْعًا لَهَا يَتَوَارَثُهُ الْأَبْنَاءُ عَن الْآبَاء بلَا نَكيرٍ ; وَلهَذَا نُسبَ إلى مُتَأَخّريهمْ عَمَلُ مُتَقَدّميهمْ، وَالْأُمَمُ مُتَكَافلَةٌ يُنْسَبُ إلى مَجْمُوعهَا مَا فَشَا فيهمْ وَإنْ ظَهَرَ بَعْضُ آثَاره في زَمَنٍ دُونَ زَمَنٍ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلكَ غَيْرَ مَرَّةٍ"."
وأما خبر ذلك الشتات الذي أصاب الله به بني إسرائيل، عقابا لهم على خروجهم عن شريعته، وعصيانهم لأوامره، وإفسادهم في الأرض، فقد أخبر به المولى جل وعلا في الآية التالية
{وَقَطَّعْنَاهُمْ في الأرض أُمَمًا مّنْهُمُ الصَّالحُونَ وَمنْهُمْ دُونَ ذَلكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بالْحَسَنَات وَالسَّيّئَات لَعَلَّهُمْ يَرْجعُونَ (168) } [1]
وقد جاء في تفسير تلك الآية الكريمة ما يلي نصه: ـ
أَيْ فرَقًا مُتَبَاينينَ في أَقْطَار الأرض، فَقَلَّ أَرْضٌ لَا يَكُونُ منْهُمْ فيهَا شرْذمَةٌ، وَهَذَا حَالُهُمْ في كُلّ مَكَانٍ تَحْتَ الصَّغَار وَالذّلَّة، سَوَاءٌ كَانَ أَهْلُ تلْكَ الأرض مُسْلمينَ أَمْ كُفَّارًا، وَأُمَمًا حَالٌ، وَقَالَ الْحَوْفيُّ: مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ هَذَا في: قَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَالصَّالحُونَ مَنْ آمَنَ منْهُمْ بعيسَى وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهمَا السَّلَامُ، أو مَنْ آمَنَ بالْمَدينَة، وَمنْهُمْ مُنْحَطُّونَ عَن الصَّالحينَ، وَهُمُ الْكَفَرَةُ، وَذَلكَ إشَارَةٌ إلى الصَّلَاح، أَيْ: وَمنْهُمْ دُونَ أَهْل الصَّلَاح؛ لأَنَّهُ لَا يَعْتَدلُ التَّقْسيمُ إلَّا عَلَى هَذَا التَّقْدير منْ حَذْف مُضَافٍ، أو يَكُونُ ذَلكَ الْمَعْنَى به اولَئكَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ وَمنْهُمْ قَوْمٌ دُونَ اولَئكَ، وَقَدْ ذَكَرَ النَّحْويُّونَ أَنَّ اسْمَ الْإشَارَة الْمُفْرَدَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ للْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوع، فَيَكُونُ ذَلكَ بمَعْنَى اولَئكَ عَلَى هَذه اللُّغَة وَيَعْتَدلُ التَّقْسيمُ، وَالصَّالحُونَ وَدُونَ ذَلكَ أَلْفَاظٌ مُحْتَملَةٌ، فَإنْ أُريدَ بالصَّلَاح الْإيمَانُ فَدُونَ ذَلكَ يُرَادُ به الْكُفَّارُ، وَإنْ أُريدَ بالصَّلَاح
(1) سورة الأعراف