فهرس الكتاب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد: فإن من تأمل القرآن الكريم الذي أنزله الله تبيانًا لكل شيء وهدًى ورحمة وبشرى للمسلمين، يجد فيه بيانًا شافيًا لعوامل النصر وأسباب التمكين في الأرض والقضاء على العدو مهما كانت قوته، ويتضح له أن تلك الأسباب والعوامل ترجع كلها إلى عاملين أساسيين وهما: الإيمان الصادق بالله وبرسوله، والجهاد الصادق في سبيله، ومعلوم أن الإيمان الشرعي الذي علق الله به النصر وحسن العاقبة يتضمن الإخلاص لله في العمل، والقيام بأوامره وترك نواهيه، كما يتضمن: وجوب تحكيم الشريعة في كل أمور المجتمع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورد ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما يتضمن أيضا وجوب إعداد ما يستطاع من القوة للدفاع عن الدين والحوزة، ولجهاد من خرج عن الحق حتى يرجع إليه.
أما العامل الثاني: وهو الجهاد الصادق فهو أيضا من موجبات الإيمان ولكن الله سبحانه نبّه عليه وخصّه بالذكر في مواضع كثيرة من كتابه، وهكذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر به الأمة ورغّبها فيه لعظم شأنه ومسيس الحاجة إليه؛ لأن أكثر الخلق لا يردعه عن باطله مجرد الوعد والوعيد، بل لا بد في حقه من وازع سلطاني يلزمه بالحق ويردعه عن الباطل، ومتى توفر هذان العاملان الأساسيان وهما: الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، لأي أمة أو دولة، كان النصر حليفها، وكتب الله لها التمكين في الأرض والاستخلاف فيها: وعد الله الذي لا يخلف، وسنته التي لا تبدل، وقد وقع لصدر هذه الأمة من العز والتمكين والنصر على الأعداء ما يدل على صحة ما دل عليه القرآن الكريم، وجاءت به سنة الرسول الأمين عليه الصلاة والسلام، وكل من له أدنى إلمام بالتاريخ الإسلامي يعرف صحة ما ذكرناه، وأنه أمر واقع لا يمكن تجاهله، وليس له سبب سوى ما ذكرنا آنفًا من صدق ذلك الرعيل الأول في إيمانهم بالله ورسوله، والجهاد في سبيله قولًا وعملًا وعقيدة.