فهرس الكتاب
حقيقة التوكل الشرعي، وهو: الأخذ بالأسباب والعناية بها مع الاعتماد على الله والتوكل عليه، وقد نبه الله سبحانه على هذا المعنى في عدة آيات؛ منها: قوله سبحانه: {وَمَنْ يَتَّق اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ منْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه فَهُوَ حَسْبُهُ (3) } فذكر التقوى اولًا وهي أعظم الأسباب؛ لأن حقيقتها طاعة الله ورسوله في كل شيء، ومن ذلك الأخذ بالأسباب الحسية والمعنوية والسياسية والعسكرية، ثم ذكر التوكل فقال عز وجلّ: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه فَهُوَ حَسْبُهُ أي كافيه.
وقال تعالى: {إذْ تَسْتَغيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنّي مُمدُّكُمْ بأَلْفٍ منَ الْمَلائكَة مُرْدفينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرَى وَلتَطْمَئنَّ به قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إلا منْ عنْد اللَّه إنَّ اللَّهَ عَزيزٌ حَكيمٌ (10) } .
أما الجهاد الصادق فذكره سبحانه في عدة آيات، وذكر ما يترتب عليه من النصر في الدنيا والسعادة في الآخرة، وبيّن صفات المجاهدين الصادقين ليتميزوا من
غيرهم، فقال تعالى: {انْفرُوا خفَافًا وَثقَالا وَجَاهدُوا بأَمْوَالكُمْ وَأَنْفُسكُمْ في سَبيل اللَّه ذَلكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إذَا لَقيتُمْ فئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلحُونَ (45) وَأَطيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ ريحُكُمْ وَاصْبرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابرينَ (46) وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذينَ خَرَجُوا منْ ديَارهمْ بَطَرًا وَرئَاءَ النَّاس وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبيل اللَّه وَاللَّهُ بمَا يَعْمَلُونَ مُحيطٌ (47) } فتأمل أيها المؤمن هذه الصفات العظيمة للمجاهد الصادق حتى يتضح لك حال المسلمين اليوم، وحال المجاهدين السابقين، وحتى تعرف سرّ نجاح اولئك وخذلان من بعدهم، وأنه لا سبيل إلى إدراك النصر في الدنيا والسعادة في الآخرة إلاّ بالتخلق بالأخلاق التي أمر الله بها ودعا إليها وعلق بها النصر، وقد أوضحها الله سبحانه في كتابه المبين في هذه الآيات التي ذكرناها وغيرها، وقال عزّ وجلّ: يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تجَارَةٍ تُنْجيكُمْ منْ عَذَابٍ أَليمٍ (10) تُؤْمنُونَ باللَّه وَرَسُوله وَتُجَاهدُونَ في سَبيل اللَّه بأَمْوَالكُمْ وَأَنْفُسكُمْ ذَلكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْري منْ تَحْتهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكنَ طَيّبَةً في جَنَّات