الصفحة 102 من 214

ووجه الاستدلال: أن ظهور طائفة على الحق في زمان ما، يلزم منه وجود الاجتهاد فيه؛ لأن القيام بالحق لا يمكن إلا به، وقد أخبر -عليه الصلاة والسلام- أنه لا يخلو عصر من قائم على الحق، فيكون هذا إخبارًا بعدم خلو عصر عن مجتهد.

الثاني: قوله -عليه الصلاة والسلام-: " واشوقاه إلى إخواني، قالوا يا رسول الله، ألسنا إخوانك؟ فقال: أنتم أصحابي، وإخواني قوم يأتون بعدي، يهربون بدينهم من شاهق إلى شاهق، ويصلحون إذا فسد الناس " [1] .

ووجه الدلالة: أن النبي -عليه السلام- أخبر بأنه يوجد إخوان له يصلحون عند فساد الناس، والصلاح إنما يكون بالعلم والاجتهاد، وهذا يلزم منه عدم خلو عصر من مجتهد، وإلا لصار الناس كلهم جهَّالا وفسدوا.

الثالث: قوله - صلى الله عليه وسلم - " وأن العلماء ورثة الأنبياء " [2] .

ووجه الدلالة: أن أحقَّ الأمم بإرث العلم: هذه الأمة، وأحق الأنبياء بإرث العلم عنه: نبيُّ هذه الأمة، وهذا دليل على أنه لا يخلو عصر عن مجتهد.

وعندي: أن هذا الدليل لا يدل على المطلوب؛ إذ قد يورث العلم ولا يوجد الاجتهاد؛ لأن العلم أعم من الاجتهاد، ووراثة الأعم، وهو العلم، لا تستلزم وراثة الأخصّ وهو الاجتهاد.

وأما الدليلان العقليان:

فالأول: أن الاجتهاد والتفقه في الدين فرض كفاية، إذا تركه الكل أثموا، فلو جاز خلو العصر عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى إليه، لزم منه اجتماع الأمة على الخطأ والضلالة، وهذا باطل ممتنع؛ للأدلة التي تدل على عصمة الأمة فيما أجمعت عليه.

(1) - أخرجه مسلم بلفظ: (إن من أشد أمتي لي حبًّا، ناسًا يكونون بعدي، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله"."

(2) - أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت