الصفحة 101 من 214

ووجه الاستدلال: أن النبي -عليه السلام- أخبر أنه يكون بعد القرون المفضلة، حثالة كحثالة التمر، ولازم هذا خلو العصر عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى إليه.

وأجيب عن هذا الدليل بجوابين:

أحدهما: أن قوله: ثم تبقى حثالة كحثالة التمر. لم تصحّ.

الثاني: على تقدير صحة هذه الجملة، فإنه يُحْمل على ما بعد الريح اللينة، وقبض أرواح المؤمنين، جمعًا بين الأدلة.

وأما الدليل العقلي: فهو: أنه لو امتنع خلو الزمان عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى إليه لامتنع إمَّا لذاته، وإمَّا لأمر خارج عنه، وامتناعه لذاته محال، فإنه لو فرض وقوعه لم يلزم عنه لذاته محال عقلا، وأما امتناعه لأمر خارج فالأصل عدمه، وعلى مدعيه البيان.

ونوقش هذا الدليل: بأن هذا الاستدلال غير صحيح؛ لأنه استدلال على إثبات الإمكان الخارجي بمجرد الإمكان الذهني، وهو غير كافٍ في ذلك؛ لأن الإمكان الخارجي إنما يثبت بالعلم بعدم الامتناع، والإمكان الذهني عبارة عن عدم العلم بالامتناع، وعدم العلم بالامتناع لا يستلزم العلم بعدم الامتناع [1] .

استدل أهل المذهب الثاني، القائلون بأنه لا يجوز خلوُّ الزمان عن مجتهد، يمكن تفويض الفتاوى إليه بثلاثة أدلة شرعية ودليلين عقليين:

أما الأدلة الشرعية فهي:

الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم - " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله " [2] .

(1) - انظر موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول لشيخ الإسلام ابن تيمية جـ 1 ص 15 - 16.

(2) - سبق تخريجه قريبًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت