فهرس الكتاب
فظهر أنه لا بد من الاجتهاد في كل زمن، ولا يمكن خلوُّ العصر عن مجتهد تفوَّض إليه الفتاوى؛ لأن الوقائع تتجدد، ولا تختص بزمن دون زمن.
الترجيح: بعد أن سقنا أدلة المذهبين، ومناقشة كلٌّ منهما للآخر، يبدو لي أن الراجح من المذهبين هو: المذهب الثاني، وهو القول بأنه لا يجوز خلو العصر عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى إليه.
وجه ترجيحه:
1 -ما سبق من مناقشة أدلة أهل المذهب الأول، وهو القول بجواز خلو العصر عن مجتهد، والإجابة عن مناقشتهم لأدلة أهل المذهب الثاني.
2 -أن الله تعالى لو أخلى زمانًا من مجتهد قائم لله بالحجة لزال التكليف؛ إذ التكليف لا يثبت إلا بالحجة الظاهرة، وإذا زال التكليف بطلت الشريعة.
3 -أنه لو عدم الفقهاء المجتهدون لم تقم الفرائض كلها، ولو عطّلت الفرائض كلها لحلت النقمة كما في الحديث: " لا تقوم الساعة إلا على شِرار الناس " [1] .
4 -ادعاء خلو العصر عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى إليه في الأزمنة المتأخرة، حصر لفضل الله على بعض خلقه، وقصر فهم هذه الشريعة على من تقدم عصره، وهذا -مع أنه لا دليل عليه، بل هو دعوى- فيه جرأة على الله، ثم على شريعته الموضوعة لكل عبادة، ثم على عباده الذين تعبَّدَهم الله بالكتاب والسنَّة [2] .
المبحث الثالث
ما العمل إذا حدثت للمفتي حادثة ليس فيها قول لأحد العلماء
اختلف العلماء: هل يجوز للمفتي والحاكم الإفتاء والحكم بالاجتهاد في الحادثة التي ليس فيها قول لأحد العلماء؟ على ثلاثة آراء:
(1) - رواه أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه.
(2) - انظر الإحكام للآمدي جـ 4 ص 233 وما بعدها، وانظر إرشاد الفحول ص 253 - 254، وانظر الموافقات للشاطبي جـ 4 ص 65 - 66، وانظر أصول الفقه طه الدسوقي ص 350 وما بعدها.