الصفحة 104 من 214

فظهر أنه لا بد من الاجتهاد في كل زمن، ولا يمكن خلوُّ العصر عن مجتهد تفوَّض إليه الفتاوى؛ لأن الوقائع تتجدد، ولا تختص بزمن دون زمن.

الترجيح: بعد أن سقنا أدلة المذهبين، ومناقشة كلٌّ منهما للآخر، يبدو لي أن الراجح من المذهبين هو: المذهب الثاني، وهو القول بأنه لا يجوز خلو العصر عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى إليه.

وجه ترجيحه:

1 -ما سبق من مناقشة أدلة أهل المذهب الأول، وهو القول بجواز خلو العصر عن مجتهد، والإجابة عن مناقشتهم لأدلة أهل المذهب الثاني.

2 -أن الله تعالى لو أخلى زمانًا من مجتهد قائم لله بالحجة لزال التكليف؛ إذ التكليف لا يثبت إلا بالحجة الظاهرة، وإذا زال التكليف بطلت الشريعة.

3 -أنه لو عدم الفقهاء المجتهدون لم تقم الفرائض كلها، ولو عطّلت الفرائض كلها لحلت النقمة كما في الحديث: " لا تقوم الساعة إلا على شِرار الناس " [1] .

4 -ادعاء خلو العصر عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى إليه في الأزمنة المتأخرة، حصر لفضل الله على بعض خلقه، وقصر فهم هذه الشريعة على من تقدم عصره، وهذا -مع أنه لا دليل عليه، بل هو دعوى- فيه جرأة على الله، ثم على شريعته الموضوعة لكل عبادة، ثم على عباده الذين تعبَّدَهم الله بالكتاب والسنَّة [2] .

المبحث الثالث

ما العمل إذا حدثت للمفتي حادثة ليس فيها قول لأحد العلماء

اختلف العلماء: هل يجوز للمفتي والحاكم الإفتاء والحكم بالاجتهاد في الحادثة التي ليس فيها قول لأحد العلماء؟ على ثلاثة آراء:

(1) - رواه أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه.

(2) - انظر الإحكام للآمدي جـ 4 ص 233 وما بعدها، وانظر إرشاد الفحول ص 253 - 254، وانظر الموافقات للشاطبي جـ 4 ص 65 - 66، وانظر أصول الفقه طه الدسوقي ص 350 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت