فهرس الكتاب
الدليل الثالث: أن أدلة الأصول فيها غموض وخفاء، وأدلة الفروع فيها سهولة ووضوح، وقد جاز التقليد في الفروع؛ دفعًا للحرج، فجوازه في الأصول دفعًا للحرج أَوْلى.
الدليل الرابع: أن كلا من الأصول والفروع قد كُلِّف بهما العباد، فإذا جاز التقليد في الفروع جاز في الأصول؛ لعدم الفرق.
وأجيب عن هذين الدليلين: بأن هناك فرقًا بين الأصول والفروع يمنع تساويهما، فإن المطلوب في الأصول اليقين والقطع، وهذا لا يحصل بالتقليد؛ إذ ليس طريقًا لتحصيله، بخلاف الفروع، فإن المطلوب فيها الظن، وهو يحصل بالتقليد؛ إذ هو طريق إلى تحصيله، فلا يلزم من جواز التقليد في الفروع جوازه في الأصول؛ لوجود الفرق بينهما.
أدلة القائلين بوجوب التقليد، وتحريم النظر والبحث والاستدلال، ومناقشتها:
الدليل الأول: قول الله -تعالى-: {مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا} [1] .
ووجه الاستدلال: أن الله -تعالى- ذمَّ الجدال، وأخبر أنه من صفات الكفار، والنظر يفتح باب الجدال، فكان مذمومًا محرَّمَا، والتقليد واجب.
ونوقش هذا الدليل: بأن المراد بالجدال في الآية، الجدال بالباطل، بدليل قوله -تعالى-: {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} [2] وأما الجدال بالحق فإنه ممدوح ومأمور به، بدليل قوله -تعالى-: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [3] وقوله: {* وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [4] ولو كان الجدال بالحق منهيًّا عنه لما كان مأمورًا به.
(1) - سورة غافر آية: 4.
(2) - سورة غافر آية: 5.
(3) - سورة النحل آية: 125.
(4) - سورة العنكبوت آية: 46.