فهرس الكتاب
للوحي، ومكانهم من النبي - صلى الله عليه وسلم - ورجوعهم إلى الفِطَر السليمة، والأدلة العقلية الصريحة، ونصوص الشرع الصحيحة، وبعدهم عن موارد الشُبه ومنازع الأهواء، فلم يوجد بينهم اختلاف في التوحيد ولا مناظرات في مسائله، فلم يتكلموا فيما لم تَدْعُ الضرورة إليه، ولا خاضوا فيما لا يعنيهم.
الدليل الثاني: لو كان النظر في الأصول واجبًا لأنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والتابعون على من كان في زمانهم من العوام تركَ النظر، ولأمروهم به، لكن ذلك لم ينقل عنهم مع كثرة العوام، فدل على أن النظر ليس بواجب، وأن التقليد جائز.
ونوقش هذا الدليل: بأنهم لم ينكروا على العوام تركَ النظر، ولم يأمرهم به؛ لأن معرفة الله الواجبة كانت حاصلة لهم، وهي المعرفة بالدليل من جهة الجملة لا التفصيل، وهي حاصلة بأدنى التفات إلى الحوادث؛ إذ ليس المراد من النظر تحرير القضايا على قواعد المنطق المستحدثة، ومن أصغى إلى عامة الأسواق امتلأ سمعه من استدلالهم بالحوادث على مُوجدها، كما قال الأعرابي:"البعرة تدل على البعير، وأثر الأقدام تدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، أمَا يدلان على اللطيف الخبير".
والمقلد في الإيمان لا يكاد يوجد، فإنه قل أن يوجد من لم ينتقل ذهنه من الحوادث إلى موجدها:
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد