قال المهدوي: (وقيل المراد بالآية فرض الزكاة والتطوع، وكان الإخفاء فيها أفضل في مدّة النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم ساءت ظنون الناس بعد ذلك، فاستحسن العلماءُ إظهار الفرائض، لئلا يظن بأحد المنع) .
قال ابن عطية: (وهذا القول مخالف للآثار) .
قال: (ويحسن في زمننا أن يحسن التستر بصدقة الفرض، فقد كَثُرَ المَنْعُ لها، وصار إخراجُها عُرْضة للرِّياء) .
هذا الذي تخيّله ابنُ عطية ضعيف، فلو كان الرجل في مكان يترك أهلُه الصلاة، فهل يقال إن الأفضل أن لا يظهر صلاتَه المكتوبة؟!
وقال النقَّاش: إن هذه الآية نَسَخَها قولُه تعالى: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً ... } [البقرة:274] . انتهى ما ذكره.
ودعوى النسخ ضعيفٌ جدّا، وإنما معنى هذه الآية، كمعنى التي قبلها، أنّ النفقة تُقْبَل سرّا وعلانية.
وحكي عن المهدوي أنَّ قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} [البقرة:272] رخّصت في صدقة الفرض، على أهل القرابات المشركين.
قال ابنُ عطية: (وهذا عندي مردود) .
وحُكِيَ عن ابن المنذر نقلُ إجماع من يحفظ أنّه لا يُعطي الذمّة من صدقة المال شيئًا (9) .
قلتُ: روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال في قوله تعالى {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة:60] أنّ المساكين أهل الكتاب (10) ؛ وإسنادُه لا يَثْبُت.
وروى الثعلبيُ بإسناده عن سعيد بن سُويد الكلبي يرفعه أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الجهر بالقراءة والإخفاء، فقال: (هي كمنزلة الصدقة {إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ} [البقرة:271] .