ثالثًا؛ موقف"هيئة علماء المسلمين"من نشاطات المجاهدين
كثيرة هي صور الجهاد في سبيل الله تعالى، ومجالاته واسعة رحبة، وقد مضى معنا تقرير أن الهيئة تتبنى وجوب الجهاد كحكم شرعي، ولكن ما هي صورة الجهاد التي تتبناها الهيئة؟! وما هو حقيقة موقفها من نشاطات المجاهدين؟!
هذا الموقف يتضح لنا من خلال الخطابات والبيانات التي أصدرتها الهيئة والتي نددت وأدانت بالعديد من العمليات النوعية التي قام بها المجاهدون الأبطال.
حيث قال الكتور محمد بشار الفيضي: (أصدرنا أكثر من 7 بيانات، قلنا أن قتل رجال الشرطة والحرس الوطني لا يجوز شرعًا ما دامت هذه الأجهزة التزمت بواجباتها الوطنية ولم تخرج عن دائرة العمالة والتجسس) [5] .
وجهل هذا الصوفي أن حركات التوحيد والجهاد تنظر إلى من يسميهم برجال الشرطة والجيش أنهم عساكر للشرك وأنصار للطاغوت، سواءً وجِدوا لحماية قوات الكافر المحتل، أو لحماية الحكومات الطاغوتية الكافرة المرتدة التي تحكم بغير ما أنزل الله، وأنهم يقاتلون ويقتلون حتى تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الطواغيت هي السفلى.
كما قال الشيخ أبو قتادة: (حركات الجهاد السّلفيّ تقاتل في بلاد الردّة تحت راية واضحة، وكذلك تصف العدوّ وصفًا واضحًا، فهي تصف هذه الطّوائف المعادية أنّها طوائفَ ردّةٍ وكفر، لأنّها اجتمعت بقوّة وشوكة على أمرٍ مكفّر، أجمعت على كفره ملّة الإسلام، فنوع قتال هؤلاء الخصوم، وجنس هذا القتال، أنّه قتال المرتدّين، وهذا القتالُ له أحكامه الخاصّة التي تجتمع وتفترق عن قتال الكفّارِ الأصليين، وحين تقاتل هذه الطّوائف السّلفيّة المجاهدة تحت هذه الرّاية، فإنّها لا تفرّق في هذا القتال بين مرتدٍّ - دكتاتور - متسلّط، وبين مرتدّ - ديمقراطيّ - سِلميّ، فهي لا تفرّق بين قتال معمّر القذافي، المرتدّ الظّالم، وبين حسني مبارك - هذا إذا اعتبرناه قائدًا ديمقراطيّا - فكلاهما في منهج هذه الجماعات السّلفيّة المجاهدة في الحكم سواء، وأنّهما مرتدّان، وليس لهما إلاّ السّيف، وبالتّالي لا حوار، ولا هدنة، ولا أمان، ولا عقود، لأنّ هذه هي الأحكام الشّرعيّة المستقرّة في قتال المرتدّين ... الجماعات السّلفيّة المجاهدة الموحّدة لا ترى فرقًا بين شرطة عرفات تحت راية وقيادة عرفات وبين الجيش اليهوديّ، وشرطة اليهود إلاّ فرقًا واحدًا وهو أنّ عرفات وحكومته وشرطته أشدّ كفرًا فهم أشدّ حكمًا من اليهود، لكنّ كلاهما له القتل والقتال، أمّا جماعات البدعة والوصوليّة لها رأي آخر) [6] .
ونددت الهيئة كذلك بما قام به بعض أسود التوحيد والجهاد من قتل رأس الزندقة الرافضي الخبيث"محمد باقر الصدر"، فأصدرت بيانًا جاء فيه: (بيان رقم"5"حول اغتيال السيد محمد باقر الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية: بكل أسى وأسف تلقت"هيئة علماء المسلمين"في العراق نبأ اغتيال المرجع الديني آية الله سماحة السيد(!!) محمد باقر الحكيم وهي إذ تستنكر هذا العمل الإجرامي وغيره من الأعمال التي تستهدف بها علماء الأمة ومراجعها ورموزها الإسلامية والوطنية تجزم بأن هذه الأعمال لايقصد منها إلا إثارة الفوضى والإضطراب في هذا البلد في الوقت الذي يعمل فيه المخلصون من أبنائه لجمع الكلمة ورص الصف والقضاء على الفتن التي يؤججها الأشرار ويستثمرها الأعداء الذين لايريدون بالعراق وأبنائه إلا الشر. تغمد الله الفقيد بعفوه وغفرانه (!!) . وإنا لله وإنا إليه راجعون) [7] .
وهل يجهل حال المقبور الرافضي الخبيث محمد باقر الحكيم إلا من أعمى الله بصيرته؟ .. فهو رأس من رؤوس الرافضة الذين ما كانوا ليألوا جهدا في سوم أهل السنة عمومًا والمجاهدين منهم على جهة الخصوص سوء العذاب ... كيف لا وهو ذنب تابع مطيع لدولة الرفض الصفوي، وعميل من الطراز الأول لأسياده الامريكان؟ .. ولهذا كان من أوليات عمل جماعات التوحيد والجهاد هو قطع تلك الرؤوس العفنة كي لا تنفث سمومها في جسد الأمة الممزق.
وأخيرًا؛ جاءت تصريحات حارث الضاري منددة بمختلف نشاطات المجاهدين إلا ما كان منها من قبيل قتل قوات الاحتلال الكافر، وما عداها عده من قبيل الإرهاب الذي يستحق الإدانة والتنديد، وجاعلًا لها في خانة واحدة مع نشاطات التيارات الكافرة والمرتدة، حيث قال - ما ملخصه - في خطبة الجمعة بتاريخ 9/ 4/2005: (هناك عدة أنواع للإرهاب نحن ضده، ونحن مع كل معاد للإرهاب بكل معانيه وكل مصادره) .
وأوضح أن الإرهاب الأول: (هو إرهاب قوات الاحتلال التي تقتل وتبطش وتسفك الدماء وتسرق الاموال وتهدم البيوت بكل قسوة في الليل مستخدمة الطائرات والدبابات، مشددًا علي أن الإرهاب الأول هو إرهاب قوات الاحتلال وما عداه ناجم عنه) .
وأضاف أن الإرهاب الثاني: (هو إرهاب القوة التي تستخدمها الحكومة الموقتة المسؤولة عن الأمن قانونيًا حيث تستخدم قوي مختلفة ذات دوافع ورغبات وجهات أمنية مختلفة تعمل بالوشايات والحقد ويقوم بها رجال الحرس والجيش، يأخذون الأسر والناس إلى معتقلات لا يعلمها إلا الله) .
وتابع: (إن الارهاب الثالث يأتي من القوي الحزبية الرئيسية المستأثرة بالحكم وميليشياتها التي تعبث بأمن العراق في وسط العراق وجنوبه) .
وأكد: (إن الارهاب الرابع هو إرهاب مخابرات الدول التي لها مصلحة في تمزيق العراق وإبقائه ضعيفًا وما أكثرها وفي مقدمتها الموساد الاسرائيلي الموجود في الشمال والوسط والجنوب) .
أما الارهاب الخامس فهو برأي الضاري إرهاب القوى التي تدعي المقاومة، والمقاومة الشريفة منهم براء، وقال: (نحن رافضون سلميًا للاحتلال ونرفض الإرهاب بشتى طرقه من عدو أو صديق خصوصًا إذا كان هذا الإرهاب يستهدف الأبرياء والمؤسسات والمنشآت الأمنية والثقافية ويستهدف قادة الفكر) [8] .
فهذا هو الجهاد الذي يزعم البعض أن الهيئة تؤيده، وليتها تشارك فيما تؤيد!! أما أنها لا تشارك في الجهاد بفعلها، وتنتقد ما يقوم به المجاهدون مما لا ترضاه الهيئة مجاملة لأعداء التوحيد والجهاد، ثم بعد ذلك يراد من أهل التوحيد والجهاد النزول والرضوخ لما يصدر عن الهيئة!! لا يقول هذا إلا من كان جاهلًا بحال المجاهدين الذين لهم قياداتهم الشرعية ومرجعياتهم العلمية من أهل التوحيد والجهاد، لا أهل الخنوع والخضوع من المعممين والاستغلاليين النفعيين.
فهؤلاء لو قدر وجودهم في صفوف الجهاد لحق على المجاهدين الصادقين إبعادهم عن صفوفهم، فهم لو دخلوا لابتغوا الفتنة بين صفوف المجاهدين.
وفي أمثال هؤلاء يقول الشيخ أبو قتادة الفلسطيني:(التّمايز شرطٌ لتحقيق الجهاد السنّي، ويقع التّمايز بتحقيق حقيقته المتقدّمة عن طريق التّنظيم المتميّز والذي يعلن افتراقه عن الآخرين واختلافه عنهم من جهة الشّعار المخالف فلا يلتبس لدى الأفراد تداخل الصّورتين بين هذا التّنظيم وبين غيره من التّنظيمات، وعن طريق تعميم الفهم لدى الأفراد كذلك بمخالفة الآخرين للشّرع والعقل ودخولهم في دائرة الرّأي والهوى أو البدعة الممقوتة، وهذا يتمُّ عن طريق كشف وتعرية طُرُق الآخرين من جهة أصوليّة عميقة فلا يكون الرّجل معك في التّنظيم وهو يرقب إشارات المشايخ وفتاويهم من خارج السّرب، فإنّ هذا النّوع من الشّباب خطيرٌ جِدًّا ومُذهِبٌ للقوّة والرّيح لدى أيّ تنظيم من التّنظيمات في أيّ ظرف من الظّروف.
إذا فهمنا هذا واستبان لنا حقيقة هذه المقالة بأنّ العمل الصّحيح لا بدّ بأن ينشأ بقناعةٍ علميّة وبمحرّضٍ نفسيٍّ صحيح - التّمايز - يتبيّن لنا عمق الخطأ في قول من يقول بإمكانيّة استخدام قواعد التّنظيمات البدعيّة مادّةً للجهاد في سبيل الله تعالى مع بقائهم في تنظيماتهم تحت دعوى سلامة فِطَرِهم واختلافهم عن قادتهم، أي التّفريق بين القواعد والشّيوخ، أو بين الشّباب الصّالح والقيادة الزمنى، وهذا يُظهر كذلك خطأ من يقول إنّ المشكلة في عدم الجهاد هي مشكلة القادة الزمنى والمشايخ الأئمّة وأمّا القواعد فهي صالحةٌ للجهاد فهذا خطأ كبير لأنّ القضيّة ليست قضيّة حماسٍ وعدمَ حماس، أو تأجّج عواطف وسكون أخرى، بل المشكلة الأولى والأخيرة في التركيبة العقليّة والعِلميّة في الفرد بغضِّ النّظر عن كونه قائدًا أو مَقُودًا، شابًّا أم كهلًا أم شيخًا، فتحليل عدم جهاد جماعةٍ مثل الإخوان المسلمين بسبب القادة مثلًا أو عدم جهاد السّلفيّة المزعومة بسبب مشايخهم وكذا أصحاب الصّوفيّة، خطأٌ محض فهؤلاء في هذا الجهاد - وأقصد جهاد المرتدّين - ليسوا مقتنعين به قناعةً علميّةً في أصل القضيّة، فإنْ حدث جهادٌ من بعضهم حينًا فإنّما هو من دافع توريط الصّغار للكبار، أو دفع التّيّار أي ما يسمّى بغريزة القطيع، وهؤلاء سُرعان ما يؤوبون إلى مواقعهم وتبدأ عمليّة الجلد المشيخيّ والتّنظيمي.
نعم يُمكن للأفراد والقواعد أن يخرجوا من أسر قادتهم ومشايخهم، لكن بعد أن يتمكّنوا علميًّا من اكتشاف تهافت البناء العلميّ عند مشايخهم وقادتهم فيخرجوا عليهم وعنهم وحينها يتميّز الشّخص ويُمكن إلحاقه بالتّنظيم المميّز، أمّا إن جاء من باب التوريط وتحت غثائيّة غريزة القطيع ودفْعِ التيّار فارقب في كلّ لحظة سكونٍ ثورته وعودته إلى قواعده سالمًا محضّرًا نفسه للوقوف أمام قائده وشيخه ليعترف له أنّه اكتشف صواب ما يقوله وخطأ أولئك المتسرّعين والمتهوّرين.
هذه نصيحة أسجّلها هنا، وهي أمانة أضعها في أعناق تنظيمات الجهاد السنّي السّلفيّ لئلاّ يكتشفوا بعد حين أنّ ما معهم مِن رجال إنّما هم شِبهُ المجاهدين - والشّبه هو صنم من نحاس تدخل فيه الرّيح فيصفر فيظنّ الجاهل أنّه شخص حقيقيّ - وليسوا مجاهدين حقيقة) [9] .
ولقد إعتمدت الهيئة أسلوبًا خبيثًا في اختراقها لبعض التيارات الجهادية عن طريق بعض المنتسبين إلى السلفية في عضويتها من الذين قد وثق بهم الشباب السلفي فأخذوا يرجعون إليهم في بعض مسائل الجهاد، ظانين أنهم من قيادات الجهاد الذين يرجع إليهم. وغفل هؤلاء الشباب عن أن هؤلاء من الخوالف القاعدين الذين لم يعرف عنهم انهم شاركوا بأي عملية جهادية، بل غاية جهدهم وجهادهم هو القول المجرد عن الفعل، والذين - وللأسف الشديد - استغلوا من وثق بهم للترويج للهيئة باعتبارها جناحًا سياسيًا للحركات الجهادية في العراق، فنجحوا في استغلال سياسة التوريط في تحقيق كسب شعبي لدى بعض أفراد المقاومة وجماعاتها، غاضين الطرف عن عمد أو جهل بمدى مخالفة الهيئة لحقيقة التوحيد والجهاد في سبيل الله تعالى.
وأسلوب التوريط هذا قد حذر منه الشيخ أبو قتادة الفلسطيني بقوله:(فالذين يعتمدون على طريقة التّوريط أو دفع الآخرين بأيّ طريقة من الطّرق غير طريقة الإقتناع إلى عملٍ من الأعمال إنّما يبعدون في المذهب ويتعاملون مع القضيّة بغير الطّريقة السننيّة في إظهار العمل وإيجاده، لا بدّ من الاقتناع وهذا طريقه إلى الدّماغ وإلى الفكر عن طريق المجادلة بالحسنى وعرض الأدلّة وتكرار ذلك مع اعتماد عامل الزّمن حتّى يحصل قبولًا للفكرة والدّعوة، ولا بدّ من وجود الدّافع لتحقيق هذه القناعات وذلك عن إيجاد المحرّضات الكافيةِ لإثارة النّفس البشريّة لتحقيق هذا العمل عن طريق الوعظ والتّذكرة وربط نفسيّة المرء بمحبّة تحقيق رضاء الله سبحانه وتعالى وتحصيل الدّار الآخرة، فإذا حصل الاطمئنان النّفسيّ لهذا العمل تحرّكت النّفس نحوه برغبةٍ صادقةٍ فلا يَرُدُّ عنانها عن ذلك إلاّ الذي فطرها، وهي بحاجة إلى التّذكير مرّة بعد مرّة {وذكّر فإنّ الذّكرى تنفع المؤمنين} وذلك عن طريق استثارة القناعات بوضعها في جوّ التّأثير العاطفيّ والنّفسيّ.
بهذا يحصل التّمايز عن الآخرين وبه فقط يتمُّ السّير نحو الهدف المطلوب وفي باب الجهاد فإنّ هذه هي الطّريقة السننيّة لتحقيقه وليست المسألة مسألة عواطف شباب جيّاشة سرعان ما تنتكس تحت ظروفٍ جديدةٍ وأحداث متغيّرةٍ، فالقائلون بأنّ الجهاد هو تهوّر واندفاع وحماسة شباب لا خِبرةَ لهم في الحياة هم واهمون، نعم يكون كذلك حين يكون الجهاد دافعه هو الحماس الفِطريُّ غير المؤصَّل، وتمّت الاستجابة له دون الفهم له على الوجه المطلوب فإنّ هذه الحماسة سرعان ما تزول إمّا لوقوع البلاء أو تخلّف النَّصر أو كثرة المعوِّقات في طريق الجهاد.
هذه القناعات العقليّة والمبنيّة على أُسُسٍ علميّة واضحةٍ وعندها القدرة على كشف ودحض تلبيس الخصوم وأخطائهم مع نفسيّة محرّضة هي التي تصنع التّمايز في الشّخص المجاهد طول حياته وتؤمّن له عدم الانتكاس بالعودة إلى الجلاّدين من قادة تنظيمات بدعيّة أو مشايخ مشيخات معوّقة) [10] .
[5] برنامج"نقطة نظام"بتاريخ (27/ 3/2005) .
[قوله؛"ولم تخرج عن دائرة العمالة"، لعلها أراد بها؛"ولم تخرج إلى دائرة العمالة"] [المنبر] .
[6] بين منهجين (67)
[7] بيان رقم (5) صادر بتاريخ 30/ 8/2003م.
[8] خطبة الجمعة 8/ 4/2005.
[9] بين منهجين (95)
[10] بين منهجين (95)