فهرس الكتاب
يعلمنا الله سبحانه وتعالى كيف إذا ألزمنا أنفسنا بالعبادة والعبادة التي نحن بصدد تحليلها هي الحج وما أدراك ما الحج .. وجب أن نستعد لذلك الاستعداد البدني والنفسي والفكري والجسدي وخصوصا الاستعداد الروحي .. فنحن مقبلون على الله .. والإقبال على الله سبحانه وتعالى ليس لعبا ولا نزهة .. وجب أن نجل الله .. وأن نجل العبادات التي أمرنا بها في محكم التنزيل وفي السنة النبوية المطهرة .. إن الحج الذي يمثل الركن الخامس من أركان الدين الإسلامي الحنيف يمثل الركن الركين والبرهان والدليل على مدى تفاعل الإنسان مع ربه وكذلك مع الناس لأنه بالأساس عبادة روحية وجسدية ومالية .. لذلك وجب أن تتوفر فيه الشروط الشرعية من حيث الاستطاعة والقدرة على ذلك .. ولأنه كذلك وجب أن تتوفر فيه شروط التعامل مع بقية المؤمنين .. لأنه سيجمعهم على صعيد واحد يتعارفون ويتقربون إلى الله العزيز القدير في وقت واحد وفي أمكنة واحدة .. لغايات واضحة لا لبس فيها لا التباس ولا تخفي على لبيب بحيث يتجلى بالدليل المادي الملموس كيف ان الإنسان ضعيف .. وأنه متهالك .. وانه بلا قيمة لولا رحمة الله التي تتداركه في كل حين من بدء خلقه إلى مماته والى يوم البعث الذي لا شك فيه إطلاقا .. الإنسان السادر في غيه والذي يتطاول على نفسه وعلى غيره .. ويوقع نفسه في المهالك .. يجد في الحج .. المجتمع الإسلامي الكبير فيضع إمكاناته وقدراته على المحك .. كيف يتكلم وكيف يتعامل مع الناس .. والدين بالأساس هو المعاملة هو الأخلاق .. لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى .. اتقاه: خافه وحذره .. التقوى مخافة الله والعمل بطاعته .. وحين خاطب الله سبحانه وتعالى عباده بقوله (( وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ(197) ... )).. إنما توجه إلى عقولهم قبل كل شيء .. والألباب جمع لب: وهو العقل الخالص من الشوائب .. خالِصُ كلِّ شيءٍ: لُبُّه. الليث: لُبُّ كلِّ شيءٍ من الثمار داخلُه الذي يُطْرَحُ خارجُه، نحو لُبِّ الجَوْز واللَّوز. قال: ولُبُّ الرَّجُل: ما جُعِل في قَلْبه من العَقْل .. كي يدرك كل مؤمن ومؤمنة وفي كل زمان ومكان إلى قيام الساعة التي لاشك فيها إطلاقا .. أنه محاسب وأنه مجزي وبالتالي فهو مكلف .. وهو مسئول عن أقواله وأفعاله ووجب عليه أن يكون قدوة في كل شيء .. وبالتالي يتخير لكلامه وأفعاله وسلوكه حتى يعطي عن الإسلام مضرب الأمثال التي يصح أن يكون منطبقا فيها خير انطباق على خير أمة أخرجت للناس .. إن المقصد كله هو عبادة الله وحده لا شريك له .. وإخلاص الطاعة له .. والخوف منه .. أجل فمن أس التقوى مخافة الله ومتى كانت عبادتنا منطلقها الخوف من الله جل وعلا .. كانت متقنة وسامقة محورها حب الله ومخافته والرجاء في جزيل عطائه يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .. وعندما يصل المؤمن إلى درجة الخوف والرجاء والتفويض لأمر الله وحده سبحانه وتعالى عما يصفون .. ويتوكل عليه .. تكون رحمة الله قريبة منه .. تشمله بالأمن والأمان والسعادة الروحية الغامرة التي تنتشله من قمقم التواكل والحزن والتمزق والضياع النفسي والجسدي لتعطيه الأمل .. لتعطيه الدفع .. والقدرة على مواصلة الحياة أكثر حبا في الله وفي خلق الله .. ومن جديد يؤكد الله لعباده كيف ان الدين ليس تهويمات وبعدا عن الواقع .. بل هو الواقع ذاته على نسق رباني متسارع وأنيق نحو الأكمل الأوفق .. ولأنه كذلك يدعوهم للأخذ بأسباب الدنيا .. فالدنيا جزء من الإنسان لا يمكن نسيانه .. ولكن بقدر .. ودون إفراط ولا تفريط .. كي تكون الموازنة عادلة ومعتدلة .. (( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ(198) ... )).. ما معنى عرفات؟ .. جاء في لسان العرب: وعَرَفةُ وعَرَفاتٌ: موضع بمكة، معرفة كأَنهم جعلوا كل موضع منها عرفةَ، ويومُ عرفةَ غير منوّن ولا يقال العَرفةُ، ولا تدخله الأَلف واللام. قال سيبويه: عَرفاتٌ مصروفة في كتاب اللّه تعالى وهي معرفة، والدليل على ذلك قول العرب: هذه عَرفاتٌ مُبارَكًا فيها، وهذه عرفات حسَنةً، قال: ويدلك على معرفتها أَنك لا تُدخل فيها أَلفًا ولامًا وإنما عرفات بمنزلة أَبانَيْنِ وبمنزلة جمع، ولو كانت عرفاتٌ نكرة لكانت إذًا عرفاتٌ في غير موضع، قيل: سمي عَرفةَ لأن الناس
يتعارفون به، وقيل: سمي عَرفةَ لأَن جبريل، عليه السلام، طاف بإبراهيم، عليه السلام، فكان يريه المَشاهِد فيقول له: أَعرفْتَ أَعرفت؟ فيقول إبراهيم: عرفت عرفت، وقيل: لأَنّ آدم، صلى اللّه على نبينا وعليه السلام، لما هبط من الجنة وكان من فراقه حوَّاء ما كان فلقيها في ذلك الموضع عَرَفها
وعرَفَتْه ..