فهرس الكتاب
حبا في الله وتعلقا بمرضاته يوم القيامة الذي لا شك فيه إطلاقا .. لماذا ركزت الآيات الكريمة على مسألة الرضاعة .. لأن حياة الطفل تتركز وتتلخص في سني طفولته الأولى .. الخمس سنوات الأولى كما أثبتت البحوث النفسية هي الفيصل في حياة الفرد .. إذا توفر له الجو المناسب والرضاعة المناسبة والأمن والأمان داخل محيط الأسرة كان رجلا صالحا (أو امرأة صالحة) .. وإذا توفر الإيمان تكامل الجو العائلي مع دين الله فخرج لنا رجلا نافعا لنفسه وللعائلة وللمجتمع وللإنسانية قاطبة .. ولكن إذا وقعت لا قدر الله مشاكل في السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل فإن العاقبة ستكون وخيمة قطعا على مستقبل الطفل الذي يتأثر نفسيا بمشاكل العائلة وبالمعارك بين الأم والأب .. الطفل يتأثر بكل شيء .. حتى وهو في بطن أمه كما أثبتته البحوث الطبية .. فما بالك بسنوات هي حساسة ومصيرية من سني طفولته التي يجب على العائلة المؤمنة أن توفر له الرضاعة المادية هذا صحيح ولكن توفر له - أيضا- الرضاعة العاطفية الحب الحنان .. التواصل الجو المناسب .. حتى الخصام لا يجب أن يقع أمام الطفل .. حتى وان كان في بطن أمه .. حتى وإن كان رضيعا .. فهو مخلوق وهو يحس ويتفاعل .. إنه لا يتكلم .. ولكنه يحتوي العالم .. ويخزن في ذاكرته وفي لاوعيه .. ويجب أن يخزن ما يفيد لعاطفته وكيانه وكينونته وصيرورته في قابل الأيام ..
(( ... وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(233) ... ))..
مسؤولية الطفل هنا ليست ملقاة على الأم فقط كما تبينه الآية الكريمة .. إنها مسؤولية الأم .. التي يجب أن ترضع ابنها فهي أولى بذلك من غيرها .. ولا ترفض إرضاعه مهما كانت الأسباب حتى لا تأثم .. كما إن مسؤولية الإبن هي على الأب أيضا الذي عليه توفير مستلزمات ونفقة الأم كي تقوم بواجب الإرضاع على أحسن وجه من حيث التغطية والعلاج والكسوة والرعاية والمتابعة .. إنه المولود .. إنه الأمانة يتواصل بها الجميع في حالات الرضا والغضب .. إنه المولود الذي يفرض نفسه رغم أنوف الجميع كي يكون الجميع مسخرين لخدمته وتوفير كل مستلزماته .. فإذا اتفق الطرفان الزوج والزوجة على أن تتولى مسألة الرضاعة امرأة أخرى .. فلا باس شريطة أن يقدم الأب من ماله الخاص نفقة تلك المرضعة وأجرتها حتى تقوم بواجبها على أحسن وجه .. المسؤولية تتحمل جزءا منها المرضعة التي عليها أن تخشى الله في الرضاعة .. حتى عند الفراق والطلاق لا ننسى حق الطفل المقدس .. الوارث كذلك يتحمل مسؤولية إكمال المهمة مع الطفل حتى لا يضيع نتيجة الخلافات والحزازات .. رأينا كيف أن المسؤولية مشتركة وبالتالي على جميع الأطراف أن يخشوا الله في الأمانة وأن يقوم كل طرف بمسئوليته لا يخشى أحدا في ذلك إلا الله سبحانه وتعالى وانتظارا ليوم القيامة الذي لاشك فيه إطلاقا ..
إن المؤمن يضع في اعتباره دوما أنه راحل .. وأنه مودع .. وأن الموت يحيق به في كل لحظة .. وبالتالي عليه أن يخشى الله في كلامه وأفعاله ونيته .. وأن يطبق أحكام الدين دون مواربة .. وحتى إن مات فإن هذا الدين الإسلامي يكفل له حقوقه حيا وميتا .. كيف ذلك؟ .. أي نعم يكفل له حقوقه حيا وميتا .. انظروا إلى العائلة .. لم يترك الله عز وجل الأمور تسير هكذا صدفة أو عبثا .. بل قننها في حياة الزوج ومن بعد وفاته حتى يتصل كل طرف بحقوقه .. وحتى يكون المؤمن بأمن وأمان في الدنيا والآخرة التي لا شك فيها إطلاقا .. كانت العلاقة الزوجية مستمرة وعادية تنشر الحب والتواصل والأمل البسام وتخفق السعادة بأجنحتها البيضاء على الأسرة الآمنة التي اتخذت الإسلام منهجا ودستورا وطريقة عمل .. ثم فجأة يموت الأب .. هل انتهى كل شيء بين الزوج والزوجة؟ .. وتذهب لتفعل ما تشاء؟ .. كلا .. الأمور ليست بمثل هذه البساطة .. الزوج المتوفى له عليها حقوق ليس أقلها ما جاء في قوله جل من قائل:
(( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(234) ... )).. أربعة أشهر وعشرة أيام .. هي أيام عدة الزوجة وهي مخيرة في قضاء أيام العدة ببيت زوجها أو عند أهلها .. ولكن بشرط .. لا تمس