فهرس الكتاب
قيل عسى كلمة تكون للشَّك واليَقينِ؛ وهو عَسِيٌ أَن يَفْعَل كذا وعَسٍ أَي خَلِيقٌ؛ قال النحويون يقال عَسَى ولا يقال عَسِيَ اتَّفَقَ القراءُ أَجمعون على فتح السين من قوله عَسَيْتُمْ إلاَّ ما جاء عن نافِعٍ أَنه كان يقرأُ فهل عَسِيتم، بكسر السين ..
توقع منهم نبيهم الهروب والصد والإعراض عندما يجد الجد وتقع المواجهة مع العدو .. ولكنهم بادروه بحجج واهية كالإخراج من الديار .. ولم يبرزوا أنهم يدافعون عن الدين وعن إعلاء كلمة الله في الأَرض .. لم يرد ذكرهم إلا على المنافع المادية وعلى تعلقهم بالمكاسب والمتاع الذي هو إلى زوال .. وبالتالي فإن ما توقعه منهم نبيهم كان صحيحا إلى أبعد الحدود لأنه فهم أبعادهم وفضح مغالطتهم .. وأبرز لهم بالدليل المادي زيف ادعائهم وكذبهم وبهتانهم .. المواجهة الأولى كانت بين النبي وهؤلاء الذين يحسبون الدنيا مصالح ومتعا ومراكز .. انتدبوا أنفسهم للحديث عن المجتمع التوحيدي انتدابا غير صالح ولا يشي إلا بما كمن في أنفسهم من انحراف عن طريق الدين الحق .. وبالتالي هرب جميعهم من المواجهة بتعلات مختلفة وحجج واهية منكرة .. هذا الموقف لا يخفى على الله سبحانه وتعالى وقد علم في الأزل أنهم سيفعلون كذلك .. ولذلك استعمل (( هَلْ عَسَيْتُمْ ) ).. استباقا لغدرهم وهروبهم من القتال محافظة على مصالحهم ومراكزهم وتعلقهم بالحياة .. بينما المؤمن الحقيقي لا يتعلق بالحياة بل يتعلق بالآخرة .. ويتخذ الدنيا مطية للآخرة بالعبادة والسمع والطاعة فيما أمر ونهى دون قيد أو شرط .. (( فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ(246) ... )).. علما الشيء علما: أدركه بحقيقته وكنهه .. والله لا يخفى عليه شيء في السماوات والأرض وهو العليم الحكيم ..
المصيبة أن الطبقة المرفهة من بني إسرائيل أو أصحاب الثروات والنفوذ لم يفهموا الدرس .. ولم يطيعوا نبيهم .. بل جادلوا كلامه .. وهو موقف غريب مستهجن لا يعقل البتة من الناس نحو النبي .. الذي مهمته البلاغ .. والبلاغ الواضح لأحكام الله وأوامره ونواهيه وعلى الناس السمع والطاعة إن كانوا حقا يعبدون الله وحده لا شريك له .. ماذا قال لهم نبيهم؟ .. وماذا أجابوه .. ؟ (( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(247) ... )).. كان (( طالوت ) )سقاء .. قوي البدن طويل القامة يتمتع بسعة علم ومعرفة ودراية بفنون القتال .. وبالتالي مازه الله لقوته وعلمه .. ولكنهم كانوا يريدون ملكا من سبط يهوذا بحجة أن الملك في هذا القبيل .. لأنهم يحكمون على الحكم من خلال الوراثة والنسب .. ومن خلال قوة المال والنفوذ .. ولكن الله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى هذه الاعتبارات في الاختيار والابتلاء .. لقد بادر الأعيان إلى رفض هذا الاختيار .. ومرة أخرى يبرهنون عن مدى استخفافهم بأوامر الله وكان حريا بهم السمع والطاعة لا الرفض والنقاش .. استدل العلماء على أن المتصدر للحكم يجب أن تتوفر فيه جماع هذه الشروط للحكم من حيث قوة البدن والعلم وحضور البديهة والحكمة والقدرة على مواجهة الصعاب .. والله هو الواسع الذي يسع الخلق كلهم بالمنن والأفضال والنعم التي لا تحصى .. وهو العليم الذي يدرك حقيقة النفوس وكنهها وبالتالي يضع عليها الأمانات ويضعها في أماكنها الصحيحة لأنه ينظر إلى قلوبنا وأفعالنا وإخلاصنا له لا إلى صورنا .. وأشكالنا وأموالنا وأنسابنا ..
(( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ(248) ... )).
إن العلامة الفاصلة التي تثبت لكم صحة الكلام هي أن يأتيكم التابوت .. ترى ما التابوت؟ .. قال العلماء أنزله الله على آدم عليه السلام وبقي الأنبياء يتوارثونه حتى وصل إلى موسى عليه السلام ثم انتزع من بني إسرائيل نتيجة ظلمهم وعدوانهم وإشراكهم .. تحمله الملائكة رأي العين حتى يؤمن من يؤمن عن بينة .. فيه عصا موسى وحذاؤه وبقية ثياب موسى وهارون .. تلك هي العلامة إن كنتم آمنتم أي صدقتكم .. لأن الإيمان معناه التصديق والثقة .. آمن به وصدقه ووثق به .. الإيمان التصديق ضد الكفر .. وجاءت العلامة وشاهد الناس ما شاهدوا .. ترى هل سيتبعون الحق المبين؟ .. هل سيقلعون عن المعاصي؟ ..