فهرس الكتاب
** قال العلماء إنه عزير .. وكان من علماء بني إسرائيل .. وأن القرية المتحدث عنها هي بيت المقدس .. التي خربها بختنصر .. وبالتالي خرج عزير وهو ابن خمسين كما قال أهل العلم .. وعاد فوجد ابنه يكبره بخمسين عاما .. ولم يقع التعرف عليه إلا من خلال علامة تشكل شامة سوداء بين كتفيه تعرف عليها ابنه الآخر الذي أصبح شيخا تجاوز المائة وعشرين عاما ..
(( فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ). أبان الشيء اتضح فهو مبين .. أعلم: علم الشيء أدركه بحقيقته وكنهه ..
من خلال الآية الكريمة نتبين كيف خرق الله سبحانه وتعالى القوانين التي وضعها في الحياة والموت .. حتى يتأكد الناس عبر كل زمان ومكان أن الله هو الخلاق العليم وهو على كل شيء قدير .. وليدركوا أن الله سبحانه وتعالى لما خلق الكون والحياة والمكان والزمان والمادة .. لا يتحدد بها لأنه خارج عنها وفوقها ومسيطر عليها .. لأنه خلق .. أي أوجد وأبدع من عدم .. فكانت الحياة بكل تضاعيفها الرائعة السامقة التي تدل على عظمة الخالق .. وبالتالي على المرء أن يؤمن بالله الواحد وأن يحسن توحيده وعبادته وطاعته فيما أمر ونهى .. ذاك أن الإنسان القاصر المقصر في إدراك الأبعاد .. يقصر فهمه على ما يلمسه من مادة ومن حدود لا يتخطاها .. ولا يستقرئ الأبعاد البعيدة لما وراء المادة وما وراء الكون والحياة .. أدلة وجود الله الواحد الذي لا شريك له في الكون والحياة والإنسان ذاته أكثر من أن تعد .. لذلك ضرب لنا مثلا من خلال قصة عزير .. وهو مثل نسبي يتماشى والأفهام عبر كل مكان وزمان .. أن الله هو المالك وهو المتصرف .. وهو الفعال لما يريد .. وأن الإنسان أضعف من أن يتصور .. وأنه بلا إيمان وتوحيد لا قيمة له .. وانه ضائع لولا رحمة الله سبحانه وتعالى ..
إن الأدلة على وجود الله سبحانه وتعالى لا تحصى ولا تعد .. ولكن الله ضرب مثلا بهذه القصة لتأكيد حقيقة البعث والجزاء .. وأن الذي خلق كل الخلق لن يتعب في إحيائهم من جديد .. وحتى تترسخ عقيدة البعث والجزاء في الأذهان والقلوب وتصبح حقيقة ثابتة وعملة متداولة في الأقوال والأفعال والنيات .. وفي كل حياة الفرد والعائلة والمجتمع الإسلامي الكبير في كل الدنيا .. لأنه متى ترسخت عقيدة البعث الجزاء أي يوم القيامة الذي لا شك فيه إطلاقا .. فإن الإنسان يقبل على التوبة والأوبة إلى الله الرحمن الرحيم الذي يشمله بمغفرته ورحمته متى استقام على طريق الإسلام الحنيف دين العدل والاعتدال لا يبغي عنه حولا .. متى آمن أن هناك موتا ثم حسابا استقام أمره في الصلاة والزكاة .. والبذل والعطاء في كل المجالات الفكرية والعلمية والأدبية والثقافية والفلاحية والصناعية والسياسية لا يريد شيئا غير ثواب الله لا يبغي شيئا غير مرضاة الله عز وجل .. يتأكد بالدليل المادي الملموس أن هذه الدنيا قليلة مهما كثرت وقصيرة مهما طالت وأنها لو دامت لغيره ما انتقلت إليها .. وانه راحل .. وانه ميت .. وأنه محاسب إن خيرا فخير .. وإن شرا فشر .. وأن عليه أن يختار وأن يتحمل مسئولية اختياره في الدنيا والآخرة ..
وقد لا تكون الصورة واضحة تمام الوضوح في أذهان الناس .. الذين يريدون أدلة أخرى على البعث والجزاء .. فتأتي الآية الثالثة تدعيما للآيتين الأوليين .. وبيانا كافيا وشافيا لا يقبل الدحض على قدرة الله العزيز الرحيم:
(( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(260) ... )).
طلب إبراهيم عليه السلام دليلا ماديا ملموسا على عملية إحياء الموتى .. لقد حسب إبراهيم عليه السلام أن المسألة كبيرة وكبيرة جدا .. ولكن الله سبحانه وتعالى استجاب لطلبه أولا وطلب منه ثانيا أن يأخذ أربعة طيور وأن يذبحها ويخلط لحمها وريشها ثم يقوم بتوزيعها على أربعة جبال متفرقة .. ثم يطلبها فتأتيه ساعية ملبية لندائه بإذن الله السميع العليم القادر على كل شيء ..
وعندما نتأمل اللقطة الرائعة التي قدمتها الآية الكريمة المباركة نجد الدليل العملي على مدى شك إبراهيم كإنسان .. والدليل العملي على رحمة الله وقدرته .. تأملوا كيف قام إبراهيم عليه السلام بالعملية .. وكلُّ شيء جمعته، فقد، صَرَرْته؛ وصَرْصرتُه وكَرْكَرْتُه إِذا جمعتَه ورَدَدْت أَطراف ما انتَشَرَ منه .. والطيور