فهرس الكتاب
قال: وقال الكسائي بعض بني أَسد يؤنثه، يقول: هذه هُدًى مستقيمة. قال أَبو إِسحق: قوله عز وجل: قل إِن هُدَى الله هو الهُدَى؛ أَي الصِّراط الذي دَعا إِليه هو طَرِيقُ الحقّ. وقوله تعالى: إِنَّ علينا لَلْهُدَى؛ أَي إِنَّ علينا أَنْ نُبَيِّنَ طريقَ الهُدَى من طَرِيق الضَّلال. وقد هَداه هُدًى وهَدْيًا وهِداية ًوهِديةً وهَداه للدِّين هُدًى وهَداه يَهْدِيه في الدِّين هُدًى ..
(( لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ(273) .. ))... لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا: قال يعني بالمحصور المحبوس. والإِحصارُ: أَن يُحْصَر الحاج عن بلوغ المناسك بمرض أَو نحوه. وفي حديث الحج: المُحْصَرُ بمرض لا يُحِلُّ حتى يطوف بالبيت؛ هو ذلك الإِحْصارُ المنع والحبس. قال الفرّاء: العرب تقول للذي يمنعه خوف أَو مرض من الوصول إِلى تمام حجه أَو عمرته، وكل ما لم يكن مقهورًا كالحبس والسحر وأَشباه ذلك، يقال في المرض: قد أُحْصِرَ، وفي الحبس إِذا حبسه سلطان أَو قاهر مانع: حُصِرَ، فهذا فرق بينهما؛ ولو نويت بقهر السلطان أَنها علة مانعة ولم تذهب إِلى فعل الفاعل جاز لك أَن تقول قد أُحْصِرَ الرجل، ولو قلت في أُحْصِرَ من الوجع والمرض إِن المرض خَصَره أَو الخوف جاز أَن تقول حُصِرَ. وروى الأَزهري عن يونس أَنه قال: إِذا رُدَّ
الرجل عن وجه يريده فقد أُحْصِرَ، وإِذا حبس فقد حُصِرَ. أَبو عبيدة: حُصِرَ الرجل في الحبس وأُحْصِرَ في السفر من مرض أَو انقطاع به. قال ابن السكيت: يقال أَحصره المرض إِذا منعه من السفر أَو من حاجة يريدها وأَحصره العدوّ إِذا ضيق عليه فَحصِرَ أَي ضاق صدره. الجوهري: وحَصَرَهُ العدوّ يَحْصُرُونه إِذا ضيقوا عليه وأَحاطوا به وحاصَرُوه مُحاصَرَةً وحِصارًا. وقال أَبو إِسحق: النحوي: الروية عن أَهل اللغة أَن يقال للذي يمنعه الخوف والمرض أُحْصِرَ، قال: ويقال للمحبوس حُصِرَ؛ وإِنما كان ذلك كذلك لأَن الرجل إِذا امتنع من التصرف فقد حَصَرَ نَفْسَه فكَأَنَّ المرض أَحبسه أَي جعله يحبس نفسه، وقولك حَصَرْتُه حبسته لا أَنه أَحبس نفسه فلا يجوز فيه أَحصر؛ قال الأَزهري: وقد صحت الرواية عن ابن عباس أَنه قال: لا حَصْرَ إِلاَّ حَصْرُ العدوّ .. لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ: وضَرَبْتُ في الأَرض أَبْتَغِي الخَيْرَ من الرزق؛ قال اللّه، عز وجل: وإِذا ضَرَبْتُم في الأَرض؛ أَي سافرتم، وقوله تعالى: لا يسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأَرض. يقال: ضَرَبَ في الأَرض إِذا سار فيها مسافرًا فهو ضارِبٌ. والضَّرْبُ يقع على جميع الأَعمال، إِلا قليلًا. ضَرَبَ في التجارة وفي الأَرض وفي سبيل اللّه وضارَبه في المال، من المُضارَبة: وهي القِراضُ. والمُضارَبةُ: أَن تعطي إِنسانًا من مالك ما يَتَّجِرُ فيه على أَن يكون الربحُ بينكما، أَو يكونَ له سهمٌ معلومٌ من الرّبْح. وكأَنه مأْخوذ من الضَّرْب في الأَرض لطلب الرزق. قال اللّه تعالى: وآخَرُونَ يَضْرِبون في الأَرضِ يَبْتَغونَ من فَضْلِ اللّهِ؛ قال: وعلى قياس هذا المعنى، يقال للعامل: ضارِبٌ، لأَنه هو الذي يَضْرِبُ في الأَرضِ .. لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا: والإلْحاف: شدة الإلْحاح في المسأَلة. وفي التنزيل: لا يسأَلون الناس إلحافًا؛ وقد أَلْحَفَ عليه؛ ويقال: وليس للمُلحِفِ مِثْلُ الرَّدّ وأَلحف السائلُ: أَلَحَّ؛ قال ابن بري: ومنه قول بشّار بن بُرْد: الحُرُّ يُلْحى، والعَصا للعَبْدِ، وليس للملحف مثل الردِّ وفي حديث ابن عمر: كان يُلْحِفُ شاربه أَي يبالغ في قَصِّه. التهذيب عن الزجاج: روي عن النبي، صلى اللّه عليه وآله وسلم، أَنه قال: من سأَل وله أَربعون درهمًا فقد أَلحف، وفي رواية: فقد سأَل الناس إلحافًا، قال: ومعنى أَلحف أَي شَمِل بالمسأَلة وهو مُستغْن عنها. قال: واللِّحاف من هذا اشتقاقُه لأَنه يشمل الإنسان في التغْطية؛ قال: والمعنى في قوله لا يسأَلون الناس إلحافًا أَي ليس منهم سؤال فيكون إلحاف .. فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ: علم علما: أدركه بحقيقته وكنهه .. العلم: إدراك الشيء بحقيقته وكنهه .. من صفات الله عز وجل العَلِيم والعالِمُ والعَلاَّمُ؛ قال الله عز وجل: وهو الخَلاَّقُ العَلِيمُ، وقال: عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادةِ، وقال: عَلاَّم الغُيوب، فهو اللهُ العالمُ بما كان وما يكونُ قَبْلَ كَوْنِه، وبِمَا يكونُ ولَمَّا يكُنْ بعْدُ قَبْل أن يكون، لم يَزَل عالِمًا ولا يَزالُ عالمًا بما كان وما يكون، ولا يخفى عليه خافيةٌ في الأرض ولا في السماء سبحانه وتعالى، أحاطَ عِلْمُه بجميع الأشياء باطِنِها وظاهرِها دقيقِها وجليلِها على أتمّ الإمْكان. وعَليمٌ، فَعِيلٌ: من أبنية المبالغة.
(( الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ(274) . ))..