فهرس الكتاب
كان على كل شيءٍ حَسِيبًا؛ أَي يُعْطِي كلَّ شيءٍ من العِلم والحِفْظ والجَزاءِ مِقْدارَ ما يُحْسِبُه أَي يَكْفِيهِ .. وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: القَدِيرُ والقادِرُ: من صفات الله عز وجل يكونان من القُدْرَة ويكونان من التقدير. وقوله تعالى: إِن الله على كل شيء قدير؛ من القُدْرة، فالله عز وجل على كل شيء قدير، والله سبحانه مُقَدِّرُ كُلِّ شيء وقاضيه. ابن الأَثير: في أَسماء الله تعالى القادِرُ والمُقْتَدِرُ والقَدِيرُ، القادر اسم فاعل من قَدَرَ يَقْدِرُ، والقَدِير فعيل منه، وهو للمبالغة، والمقتدر مُفْتَعِلٌ من اقْتَدَرَ، وهو أَبلغ ..
(( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ(285) . )).. آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ ...: آمن به إيمانا: صدقه ووثق به .. الإيمان: التصديق ضد التكذيب .. غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ: الغَفُورُ الغَفّارُ، جلّ ثناؤه، وهما من أَبنية المبالغة ومعناهما الساتر لذنوب عباده المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم. يقال: اللهمَّ اغفر لنا مَغْفرة وغَفْرًا وغُفْرانًا، وإنك أَنت الغَفُور الغَفّار يا أَهل المَغْفِرة. وأَصل الغَفْرِ التغطية والستر. غَفَرَ الله ذنوبه أَي سترها؛ والغَفْر: الغُفْرانُ. وفي الحديث: كان إذا خرج من الخَلاء قال: غُفْرانَك الغُفْرانُ: مصدرٌ، وهو منصوب بإضمار أَطلُبُ، وفي تخصيصه بذلك قولان أَحدهما التوبة من تقصيره في شكر النعم التي أَنعم بها عليه بإطعامه وهضمه وتسهيل مخرجه، فلجأَ إِلى الاستغفار من التقصير وتَرْكِ الاستغفار من ذكر الله تعالى مدة لبثه على الخلاء، فإِنه كان لا يترك ذكر اللّه بلسانه وقلبه إِلا عند قضاء الحاجة، فكأَنه رأَى ذلك تقصيرًا فتداركه بالاستغفار. وقد غَفَرَه يَغْفِرُه غَفرًا: ستره. وكل شيء سترته، فقد غَفَرْته؛ ومنه قيل للذي يكون تحت بيضة الحديد على الرأْس: مِغْفَرٌ. وتقول العرب: اصْبُغْ ثوبَك بالسَّوادِ فهو أَغْفَرُ لوَسَخِه أَي أَحْمَلُ له وأَغطى له. ومنه: غَفَرَ اللّه ذنوبه أَي سترها. وغَفَرْتُ المتاع: جعلته في الوعاء .. غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ: صارَ الأَمرُ إِلى كذا يَصِيرُ صَيْرًا ومَصِيرًا وصَيْرُورَةً وصَيَّرَه إِليه وأَصارَه، والصَّيْرُورَةُ مصدر صارَ يَصِيرُ. وفي كلام عُمَيْلَةَ الفَزارِي لعمه وهو ابن عَنْقاءَ الفَزارِي: ما الذي أَصارَك إِلى ما أَرى يا عَمْ؟ قال: بُخْلك بمالِك، ويُخْل غيرِك من أَمثالك، وصَوْني أَنا وجهي عن مثلهم وتَسْآلك ثم كان من إِفْضال عُمَيْلة على عمه ما قد ذكره أَبو تمام في كتابه الموسوم بالحماسة. وصِرْت إِلى فلان مَصِيرًا؛ كقوله تعالى: وإِلى الله المَصِير؛ قال الجوهري: وهو شاذ والقياس مَصَار مثل مَعاش. وصَيَّرته أَنا كذا أَي جعلته. والمَصِير: الموضع الذي تَصِير إِليه المياه. والصَّيِّر: الجماعة. والصِّيرُ: الماء يحضره الناس. وصارَهُ الناس: حضروه ..
(( لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ(286) ./. )).
إن آخر آية في القرآن الكريم تحمل الأمل كل الأمل .. والثقة كل الثقة في الله عز وجل .. الذي خلق الخلق ويعلم ما يختلج في صدورهم وقلوبهم وعقولهم .. والذي رفع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم .. والذي بعث إليهم بهذا الدين الإسلامي الحنيف بلسما شافيا وحلا أمثل لمشاكل الفرد والعائلة والمجتمع .. بما فيه من تعاليم ونورانية سامقة لا يرقى إليها الشك بالمرة .. تكفل وحدها التوازن الفكري والنفسي والجسدي والعقدي والإجتماعي .. وتعطي للحياة الدنيوية والأخروية أبعادها الحقيقية .. هذا الإسلام الحنيف دين الرحمة والمحبة والعدل والإعتدال .. قد يخطئ فيه المرء .. وقد يجانب الصواب .. ولكنه في نهاية الأمر موقن بأنه في رحمة الله .. وبالتالي يتأكد تمام التأكد أن الله لن يتره عمله .. وانه مطلع على قلبه .. وعلى نيته .. ومن ثم لا يحزن .. ولا يتهالك بل يعمل ما وسعه الجهد والطاقة والموهبة والإمكان .. ويفوض أمره لله من قبل من بعد .. وفي هذا السياق السابق تندرج الآية الأخيرة من سورة البقرة المباركة:
(( لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ... ) ): والكُلْفةُ: ما تكلَّفْت من أَمر في نائبة أَو حق. ويقال: كلِفْتُ بهذا الأَمر أَي أُولِعْتُ به. وفي الحديث: اكلَفُوا من العمل ما تُطيقون، هو من كَلِفْت بالأَمر إذا أُولِعْت به وأَحْبَبْته. وفي الحديث: عثمان كَلِف ٌبأَقاربه أَي شديدُ الحبّ لهم. والكلَف: الوُلوع بالشيء مع شغل قلب ومَشقة. وكلَّفه تكليفًا أَي أَمره بما يشق عليه. وتكلَّفت الشيء: تجشَّمْته على مشقَّة وعلى خلاف عادتك.