فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 1691

صدق الله العظيم

(سورة البقرة)

* التحليل:

(( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ ... ) ).. إذ: قال العلماء هي من الحروف الزوائد .. وهي في هذا المقام تفيد التذكير بنعم الله سبحانه وتعالى التي أنعمها على عباده في السياق القرآني .. فجاءت في هذا المقام .. للتبيان في بعضها تذكيرا .. (( ... وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ... ) )..

جاء في صحيح البخاري:

(خليفة) خلفا يخلف بعضهم بعضا .. وجاء أيضا حدثنا قيس بن حفص: حدثنا خالد بن الحارث: حدثنا شعبة، عن أبي عمران الجوني، عن أنس يرفعه: (( أن الله يقول لأهون أهل النار عذابا: لو أن لك ما في الأَرض من شيء كنت تفتدي به؟ قال: نعم، قال: فقد سألتك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم: أن لا تشرك بي، فأبيت إلا الشرك ) ).

(( ... وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ... ) ).. يخبرنا الله سبحانه وتعالى عن أمر من أمور الغيب مطلوب منا أن نصدقه بكامل الدقة والتفصيل .. فهذه المحاورة التي دارت بين الله سبحانه وتعالى والملائكة تدخل في باب الإيمان بالغيب .. ومطلوب منا أن نصدق كل حرف وكل خبر جاءنا عن طريق القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف الصحيح عن هذا الموضوع تصديقا كاملا وتاما ودون تفصيل .. وألا نستخدم فيها عقلا ولا رأيا وألا نأخذ منها إلا بما ورد فيها ظاهرا مع بيانه دون تعليل .. لقد علمت الملائكة وهي المخلوقات النورانية التي خلقها الله كي تسبحه أي تنزهه عن الشريك وتعظمه وتشهد له بالوحدانية والتفرد والخلق .. علمت الملائكة من باب العلم وعلم الشيء: أدركه بحقيقته وكنهه أن هذا الإنسان المستخلف في الأرض يحمل في ذاته انحرافا عن نهج الله القويم .. وأول ما لفت نظرها أن هذا الإنسان سيبادر إلى الإنحراف عن نهج الله .. والإنحراف ضروب .. ولكنه يتلخص في الفساد بمختلف شكوله وضروبه .. وأنه سيسفك الدماء لتحقيق أغراضه الدنيئة حبا في الدنيا وظلما وعدوانا وتعلقا بالفاني دون الباقي .. وأنه بالتالي سيعصي الله ولن يعبده عبادة توحيد خالصة من الشوائب والإنحراف .. (( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ... ) ).. موقف الملائكة واضح متسق الأبعاد .. بناء على المعطيات التي عندها .. إنها تعلم ظاهر الأشياء .. ولا تعلم ما وراء الأمر الذي يريده الله أصلا من وراء خلق الإنسان واستخلافه في الأرض .. ولذلك قال لها الله سبحانه وتعالى: (( قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ(30) ... ))..

ومرة أخرى تكون المسألة مسالة علم .. وتعلمنا الآيات الكريمة أن فوق كل ذي علم عليم .. وألا يغتر الإنسان بما آتاه الله من علم مهما كان .. وأن يتواضع وألا يشبع من العلم .. (( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(31) ... )).. المنطلق علما والمنتهى علما والخلاف علما .. والمنتهى علما أو لا يكون .. فقد علم الله آدم الأسماء كلها .. قال العلماء علمه أسماء كل شيء وما تصلح له .. كيف ومتى؟ .. هل علمه اللغات؟ .. باختصار علمه كل شيء .. وأصبح آدم قادرا برحمة الله على فهم كل شيء من حوله وعلى تحديد موقعه منه .. أي أصبح مسئولا عن أفعاله .. فالعلم أمانة ومسئولية .. والعلم تترتب عنه مسؤوليات وتبعات ليس أقلها أن تصبح مسئولا عما تعلمته .. (( ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَة ) ).. لا تسبقوا الأحداث .. لا تتهموا آدم وذريته بالإنحراف وسفك الدماء .. فالعلم أهم من ذلك كله .. وما أوتيه آدم وذريته أهم من ذلك كله (( أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ .. ) ).. وطبعا فالملائكة لا تعرف الأسماء .. ولم تؤت علما كي تحدد موقفها ومسئوليتها .. فما المخرج من هذه الورطة؟ .. (( قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ(32) ... )).. تنزهت ربنا .. وتقدست وتعاليت .. فما أوتينا شيئا من علم كي نحكم على الأشياء .. وكي نوفق إلى سداد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت