فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 1691

الأمر .. وإلى الحق والصواب (( إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) ).. لذلك اتصفت يا ربنا بتمام العلم وهو إدراك الشيء بحقيقته وكنهه .. واتصفت يا ربنا بالحكمة .. وهي صواب الأمر وسداده .. (( قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ(33) ... ))... هنا كانت المفاجأة الكبرى .. فالعلم فتح المكشوف والمغطى .. والعلم كشف الحجب .. وما أوتيه آدم جزء قادر على استكناه الأبعاد وعلى استقراء الأحداث وعلى الغوص في أسرار الدنيا والآخرة .. وعلى إدراك الحقائق التي لا تمارى .. وبالتالي قامت الحجة على الملائكة التي سبقت الأحداث .. ولم تكن تعلم حقيقة ما جرى وما سيجري من مفاجآت تترى بلا انتهاء إلى أن يشاء الله .. العلم هو الفرق بين أن تدري أو لا تدري .. بين أن تحدد موقفك وأن تبقى في فلك لا تتجاوزه عجزا وقصورا .. لذلك كان العلم نورا .. وكان العلم فضلا .. وكان العلم قدرة من قدرات الله الحكيم العليم التي زرع منها جزءا يسيرا في الإنسان كي يختبره .. ولذلك طلب منهم أن يسجدوا لآدم سجود اعتراف بربوبية الله عز وجل وتقديرا لآدم الذي يحمل بعض صفة وبعض علم من علوم الله سبحانه وتعالى مع بقاء الإنسان إنسانا لا يجوز له التطاول على مقام الألوهية: (( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ(34) ... )).. سجد الملائكة لآدم سجود تقدير لا سجود عبادة .. ولم يكن السجود وقتها محرما .. وإنما حرم فيما بعد بمعاصي العباد .. فلا سجود بعدها إلا للخلاق العليم لا لغيره مهما كان .. (( إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَر ) ).. رفض إبليس وكان من الملائكة أن يسجد لآدم واتصف إبليس بالإستكبار .. وهو العظمة والتجبر .. والكبرياء لا يكون إلا لله العزيز الجبار .. أما البقية فلا حق لها فيه .. وفي الحديث القدسي (( الكبرياء ردائي من تدثر بي قصمته ) ).. (( وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ(34) ... )).. لماذا كان من الكافرين ابتداء؟ .. لأن الكفر أصلا هو الستر .. وكفر الشيء ستره وغطاه .. وكفر نعم الله جحدها وتناساها فإبليس غطى الحقيقة بنظرته القاصرة المقصرة .. ورفض طاعة الله .. وطاعة الله فرض فوق أي قدر أو قيمة مهما كانت ...

(( وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ(35) ... )).. بدأ الإمتحان الأول .. سكن آدم الجنة .. وسميت جنة لأن أشجارها تغطي وتستر من فيها .. وسمي الجن جنا لأنه يستتر ولا يراه الناس .. فالجنة تستر ساكنها بأوراقها وشجرها وخيراتها الكثيرة .. تمتع يا آدم بالجنة وخيراتها ولكن (( َلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ) ).. هنا الامتحان الأول .. شجرة ممنوع على آدم أن يأكل منها .. قال العلماء هي شجرة الحنطة .. لأن من أكلها تقرقر بطنه وتسري عليها أحكام الدنيا من حيث استخراج الفضلات البشرية .. والجنة طاهرة نظيفة لا تقبل هذه القذرات .. وبالتالي يظلم نفسه من يخالف قوانين البقاء في الجنة إن صح التعبير .. وإنما كان امتحانا لآدم .. وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وسبحان الله الحكيم العليم .. (( فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ(36) ... )).. هنا تدخل الشيطان .. وإنما سمي شيطانا لمخالفته لأن شطنه خالفه الرأي .. والشيطان كل عات متمرد من إنس وجن وحيوان ودابة .. الشيطان عرف نقطة الضعف في آدم .. نقطة الضعف بطنه .. وهنا تدخل ليغوي آدم كي يأكل وكي تقرقر بطنه .. وكي ينطبق عليه حكم عدم البقاء والخروج من الجنة .. وهو ما تم فعلا .. (( َقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ... ) ).. استحكمت العداوة بين الشيطان وبني آدم .. والعداوة ليست بسيطة ولا هينة ولا تافهة .. إنها عداوة في الله .. إنها عداوة أخرجت آدم وزوجته من حياة النعيم الدائم إلى هموم الدنيا ومشاكلها التي لا تنتهي .. وهنا على الإنسان أن ينتبه إلى هذه العداوة التي لا تنتهي إلى قيام الساعة .. عليه أن يدرك أنه ليس وحده في هذه الحياة وأن الشيطان لن يدخر جهدا لإغوائه ولإثنائه عن طريق الخير .. وان بقاءه في الدنيا هو بقاء مؤقت .. لأن هناك عودة إلى الله سبحانه وتعالى والى الحساب والجزاء .. (( وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ(36) ... ))..

الإمتحان كان كبيرا وفشل فيه آدم .. وتعلم من الدرس الأول أشياء كثيرة .. من ضمن ما تعلم إصلاح الخطأ .. وكيف يصلح الخطأ .. بالتوبة إلى الله العزيز الغفار .. بالإستغفار .. ومواصلة الدرب بعزيمة أكثر وإرادة لا تفل .. (( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(37) ... )).. تعلمنا هذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت