فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 1691

ولم يتوجه الله سبحانه وتعالى إلى الناس أولا .. بل توجه إلى بني إسرائيل .. حيث ذكرهم بأنعمه عليهم .. كي يتوبوا إلى الله .. وكي يصلحوا وضعيتهم .. وكي يتبعوا الحق المبين فلا تبقى لهم حجة .. وحتى يكون القرآن الكريم عليهم دليلا إن تمادوا في المعاصي والإنحراف ..

(( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِي(40) ... ))..

جاء في صحيح البخاري:

حدثني محمد بن بشار: حدثنا محمد بن جعفر: حدثنا شعبة، عن فرات القزاز قال: سمعت أبا حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين، فسمعته يحدث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون) . قالوا: فما تأمرنا؟ قال: (فوا ببيعة الأول فالأول، أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم) ..

إن الله سبحانه وتعالى يذكر بني إسرائيل قبل غيرهم بالنعم التي تفضل بها عليهم ويطلب منهم الوفاء بالعهد ولا عهد كعهد الإيمان والتوحيد والحكم بما أنزل الله واجتناب الظلم .. ولا عهد كبيان الحقيقة كما أنزلها الله دون تحريف .. إن المؤمن الحقيقي لا يخاف إلا من الله لأنه يعلم علم اليقين أن الله عليه رقيب .. وأنه سيحاسبه عما قدم وأخر .. الله سبحانه وتعالى يذكر بني إسرائيل بهذه الحقيقية البديهية: أن يخشوا الله حق خشيته ومخافة الله تكون بطاعته واجتناب نواهيه ..

جاء في لسان العرب:

رَهِبَ، بالكسر، يَرْهَبُ رَهْبَةً ورُهْبًا، بالضم، رَهَبًا، بالتحريك، أَي خافَ. ورَهِبَ الشيءَ رَهْبًا ورَهَبًا ورَهْبةً: خافَه ..

ونلاحظ أن الآية التي ذكرت بني إسرائيل بضرورة مخافة الله والعمل بطاعته .. تحمل رقم 40 .. في سياق سورة البقرة المباركة .. ورقم الأربعين له مغازي كثيرة في الإسلام .. فكأن مفتاح المشاكل والهموم عند بني إسرائيل .. وتمام الأمر عند الوقوف على الحقائق وأخذ العظة منها .. فما هي النعم التي أنعمها الله سبحانه وتعالى عليهم كي يخصهم بهذا الخطاب وكي يحضهم على التوبة قبل يوم القيامة الذي لاشك فيه إطلاقا؟؟؟ .. (( وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِي(41) ... )).. دعاهم للإيمان وليس للإسلام لأن المعطيات عندهم .. لأنهم أصحاب رسالة .. لأن عندهم من المعطيات ما يدعوهم وما يجعلهم أدعى للإيمان والتصديق واتباع رسالة الإسلام قبل غيرهم لأنهم قضوا مرحلة .. ومرحلة الإسلام تكملة وخاتمة ورفعا للبس والالتباس في كل شيء .. (( وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ ... ) )... عندكم الخبر .. فموسى جاء بالتوحيد .. وما عندكم من دين دون تحريف هو جزء مشوه يجب إصلاحه وتقويمه .. وما دمتم تدعون العبادة فالله سبحانه وتعالى أنزل إليكم أمرا واجب الطاعة .. (( وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ... ) ).. أنتم أصحاب رسالة ودين سابق وقع تحريفه .. أنتم الأولى .. أنتم من المفروض أن تكونوا المبادرين وأن تكونوا القدوة حتى ينسج الناس على منوالكم طاعة لله الواحد القهار .. لا تتبعوا مصالحكم .. إنها مصالح زائلة .. وهي قليلة مهما كثرت وقصيرة مهما طالت .. لا تتبعوا أمورا منحرفة قد تدر عليكم بعض مال أو بعض نفوذ أو بعض سلطة .. ولكنها لن تبقى لكم لأنكم مجزيون بأفعالكم .. لا تخافوا ذوي النفوذ .. لأن الأحق بالتقوى أي بالمخافة والرهبة هو الله عز وجل .. اتقاه: خافه وحذره .. التقوى هي مخافة الله والعمل بأوامره واجتناب نواهيه .. (( وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِي(41) ... )).. ونلاحظ أن الله سبحانه وتعالى خاطبهم ابتداء بلغة العقل والمنطق ليبين لهم أن حججهم داحضة .. وليقيم عليهم الدليل تلو الدليل مما يفند مزاعمهم .. فماذا طلب منهم ابتداء؟؟ ... (( وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ(42) ... ))..

جاء في لسان العرب:

اللُّبْسُ، بالضم: مصدر قولك لَبِسْتُ الثوبَ أَلْبَس، واللَّبْس، بالفتح: مصدر قولك لَبَسْت عليه الأَمر أَلْبِسُ خَلَطْت ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت