فهرس الكتاب
(( وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ).. علم الشيء علما: أدركه بحقيقته وكنهه .. فأنتم تعرفون الحقيقة التي لا تمارى .. ومعرفتكم هذه تجعلكم أمام مسئولية تاريخية وأمام أمانة ستحاسبون عليها .. لأنها مسئولية العلم و ضريبته أن تبلغوه .. البلاغ .. هل بلغتم؟ .. ومن مسئولية العلم الإعتراف بالحق والإستزادة من الخير والإسلام زيادة في كل خير ولا زيادة لمستزيد .. (( وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ).. وضعهم الله سبحانه أمام مسئولياتهم .. فلا يمكنهم نكران الحق .. ولا يمكن التجاهل .. والله الذي خلقهم يخاطبهم .. فهل يعصون؟ ..
قد يدعون بأنهم على استقامة وأنهم على هدى .. ولكن الله سبحانه وتعالى يضع ادعاءهم على محك التجربة والواقع لمعرفة مدى قيمته .. ومدى صلابته وأحقيته بالثبات .. (( وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ(43) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (44) ... )).. أمران فارقان بين الحق والباطل: الصلاة والزكاة ... والصلاة هي منتهى الخضوع .. والخضوع لا يكون إلا لله الواحد الذي لا شريك له .. كي نحمده ونشكره ونمتثل لأوامره .. ومن أهم أوامره: الزكاة .. والزكاة إنما سميت زكاة .. لأن من معانيها النماء والطهارة .. فالنماء للإيمان والطهارة للمال .. لقد أعطانا الله عز وجل علامة فارقة لا لبس فيها عن المؤمنين الحقيقيين الذين يتصفون بالصلاة والزكاة .. الصلاة وحدها لا تكفي .. ولا الزكاة وحدها كافية .. فالإثنان مرتبطان في وحدة واحدة .. وكذلك الإسلام وحدة واحدة و لا يؤخذ منه جزء .. وينكر جزء آخر .. الإسلام كل متكامل يؤخذ كله أو يترك كله .. الصلاة والزكاة .. (( وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ(43) . )).. منتهى الخضوع والرضوخ لمشيئة الله .. إنما أعطى الله سبحانه وتعالى صفة الركوع لكي يكون المؤمن مع الجماعة .. مع المؤمنين .. عنوانا لإيمانه .. وتطبيقا لتعاليم الله عز وجل .. ومن المفارقات العجيبة والمستهجنة أن بني إسرائيل يقولون في الإيمان ولا يفعلون (( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ) )؟ .. من أوتي الكتاب حقا ومن طبقه حقا .. يكون هو القدوة .. هو الأمثولة وعيا وتطبيقا وصلاة وزكاة واستقامة .. يبدأ بنفسه قبل غيره .. هذا لمن عقل الأمر وفهمه .. (( أَفَلاَ تَعْقِلُونَ(44) .. )).. من يستخدم العقل حق الإستخدام ينتهي إلى اتباع القرآن الكريم والعمل بأوامره والانتهاء عند نواهيه .. فأين هذا مما فيه بنو إسرائيل؟ ..
وقد يحتار المؤمن أي الطرق يختار .. خصوصا زمن الفتنة والمغريات .. وتكبر حيرته ويتضاعف ألمه وعذابه .. ويطول به التمزق والضياع .. هنا الإلتفاتة من الله الرحمن الرحيم إلى المؤمنين في عبارة اعتراضية عظيمة الدلالة (( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ(45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) ... ))لم الحزن والتهالك؟ .. والمؤمن قوي .. والمؤمن عزيز .. له مقام عند ربه وعند من يعرف مقامه .. (( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ ) ).. كثرت المشاكل والهموم والأحزان لا تهتم .. ولا تحزن .. سلاحك معك .. الصبر .. إنه يعطيك قوة على الإحتمال ..
جاء في صحيح البخاري:
حدثنا محمد بن بشار: حدثنا غندر: حدثنا شعبة، عن ثابت قال: سمعت أنسا رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (( الصبر عند الصدمة الأولى ) ).
وعن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عجبت من قضاء الله سبحانه للمؤمن إن أصابه خير حمد ربه وشكر وإن أصابته مصيبة حمد ربه وصبر المؤمن يؤجر في كل شيء حتى اللقمة يرفعها إلى امرأته )) ..
ولكن هل يكفي الصبر وحده في مواجهة صعاب الحياة وكذا صعاب يوم القيامة الذي لا شك فيه إطلاقا؟ .. قطعا لا .. فلا بد من عبادة تسمى في الإسلام (( صلاة ) )وإنما سميت صلاة .. لأنها صلة بين العبد وخالقه دون واسطة .. بها يناجي المؤمن ربه ويتقرب إليه بالتوبة والإستغفار والتسبيح والدعاء .. بحيث تكون حياته مرتبطة بين منطلقين صبرا وصلاة .. يتراوح بينهما تقوى وصلاحا واستقامة .. ولكن أي صلاة .. ليست كنقر الديكة .. ولا من قبيل العمل السهل الميسور .. فالله رقيب عليه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .. بل صلاة الخاشعين ..
جاء في (( لسان العرب) :