فهرس الكتاب
* التحليل:
غرائب بني إسرائيل أكثر من أن تعد وإنما خصص لهم الله سبحانه وتعالى جزءا هاما من القرآن الكريم لبيان زيفهم وانحرافهم وكي يأخذ العالم حذره منهم .. حتى لا تنطلي عليه أكاذيبهم وترهاتهم وانحرافهم عن نهج الله القويم .. ومن ضمن ادعاءاتهم وبهتانهم الرخيص تطاولهم على الناس بادعائهم الظالم الغشوم أنهم شعب الله المختار .. وكيف يختار الله أناسا عصوه وتجرءوا عليه وعلى رسله؟ .. في الآيات السالفة بيان لجزء من مسيرتهم المشبوهة عبر التاريخ يرويها رب العزة رفعا للبس والإلتباس .. (( ... وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ(55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) ... ))..
جاء في مختار الصحاح:
(( إذْ كلمة تدل على ما مضى من الزمان وهو اسم مبني على السكون وحقه أن يكون مضافا إلى جملة ) ).. وجاء في صحيح البخاري: (( جهرة: أي معاينة .. ) )
فهم بكل صفاقة يريدون أن يروا الله مباشرة حتى يتكرموا على موسى بإيمانهم الواهي المفقود .. وكيف يعقل أن يطلب إنسان أو مجموعة أو شعب أن يرى الله مباشرة؟ .. إنه منتهى التجرؤ .. لأن الإنسان بإمكاناته البدنية المحدودة ولا يستطيع أن يرى الله نور السماوات والأرض والذي اندك جبل طور سيناء لما تجلى له الله سبحانه مجرد تجل .. لذلك أخذت الصاعقة مبعوثي بني إسرائيل .. مجرد صاعقة قضت عليهم .. وهي جزء من قدرة الله .. الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير سبحانه وتعالى عما يصفون ..
(( وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(57) ... ))..
قال ابن كثير:
الغمام (( جمع غمامة، سمي بذلك لأنه يغمّ السماء أي يواريها ويسترها، وهو السحاب الأبيض ظللوا به في التيه ليقيهم حرّ الشمس ) )..
وجاء في صحيح البخاري:
حدثنا أبو نعيم: حدثنا سفيان، عن عبد الملك، عن عمرو بن حريث، عن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين) . )).. وقال مجاهد: المن صمغة، والسلوى الطير. قال ابن عباس: كان المن ينزل عليهم على الأشجار فيغدون إليه فيأكلون منه ما شاءوا، وأما السلوى فقال ابن عباس: السلوى طائر يشبه السماني كانوا ياكلون منه. وقال قتادة: السلوى كان من طير إلى الحمرة تحشرها عليهم ريح الجنوب ..
بعد هذه النعم هل شكر بنو إسرائيل ربهم؟ .. وقاهم ربهم حر الشمس .. وأطعمهم وسقاهم .. ووفر لهم احتياجاتهم دون جهد ولا تعب ولا عرق .. ومن المفروض في هذا المقام أن يعبدوا ربهم وحده لا شريك له وأن يخلصوا له الطاعة .. ولكن كالعادة ظلموا أنفسهم عنادا وكفرا وعصيانا .. (( وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(57) ... )).. طبعا ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله .. فالظلم أول ما يقع ضرره يقع على الظالم ذاته لأن الله سبحانه وتعالى لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية .. وإنما هي أعمال بني آدم يحصيها لهم .. إن أحسنوا فلأنفسهم وإن أساءوا فعليها .. وما يذكر إلا أولو الألباب .. أي أصحاب العقول الخالية من الشوائب ومن الكفر والنفاق والإنحراف .. (( وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ(58) ... ))ومرة أخرى يسقط بنو إسرائيل في الإمتحان .. فبعد رحلة العذاب مع فرعون والعجل وانحراف العقيدة إلى الإشراك والعياذ بالله والتيه ورحلة الصحراء ومتاعبها أحب بنو إسرائيل أن يدخلوا وطنا يستقرون فيه .. فأشار عليهم المولى سبحانه وتعالى أن يدخلوا بيت المقدس .. وقيل أريحا .. وفي فتح الباري حديث لرسول الله صلى الله