فهرس الكتاب
وتستبد الحيرة بالمؤمن وهو يرى هذه التناقضات من بني إسرائيل الذين يسعون لتشويه التاريخ .. ويتألم المؤمن ويشعر بأنه فعلا في غمرة تمزق وضياع لا نهاية لها لولا الأمل في رحمة الله سبحانه وتعالى .. فما مآل من آمن وسط هذا الزخم؟ .. أين مصير المؤمنين من مختلف الملل والنحل عبر التاريخ؟ .. هل يضيع الله إيمانهم وسط كم هائل من انحرافات بني إسرائيل؟ .. والجواب الكافي الشافي يأتي من رب العزة الذي لا تخفى عليه خافية: (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ(62) ... )).. شمل قوله عز وجل كل من آمن به من مختلف ضروب الناس .. وآمن به: أي صدقه ووثق به .. الإيمان هو التصديق ضد الكفر .. فالمؤمن يصدق بالله الواحد لا شريك له وباليوم الآخر وبما انزل الله عبر كل مكان وزمان .. ويشمل قوله عز وجل كل من آمن به عبر التاريخ .. لأنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .. والله ينظر إلى قلوبنا لا إلى صورنا ويحشر الناس على نياتهم .. والنية لها مدار هام وكبير وخطير في حياة كل فرد .. (( وَالصَّابِئِينَ ) )؟؟ من هم الصابئون؟ .. الصابئ: المفارق لدين قومه، من صبأ يصبؤ إذا انتقل من شي إلى شيء ..
جاء في لسان العرب:
الصابِئون: قوم يَزعُمون أَنهم على دين نوح، عليه السلام، كذبهم. وكانت العرب تسمي النبي، صلى اللّه عليه وسلم، الصابِئَ، لأَنه خرج مِن دين قريش إلى الإِسلام، ويسمون مَن يدخل في دين الإسلام مَصْبُوًّا، لأَنهم كانوا لا يهمزون، فأَبدلوا من الهمزة واوا. )) ..
وبالتالي فلا يحتار المؤمن الحقيقي في كل زمان وفي كل مكان على مصيره ما دام مستقيما على الطريقة وعلى نهج الله القويم توحيدا- أي إيمانا بالله واحدا لا شريك له - وإيمانا ويقينا لا يداخله شك بيوم القيامة الذي لا شك فيه إطلاقا ..
بعد هذه الإطلالة على مآل أهل الإيمان تطمينا لهم ورفعا للبس والإلتباس في مسيرة الناس إلى قيام الساعة .. يعود السياق إلى بني إسرائيل لكشف أكاذيبهم وتعرية حقائقهم البشعة بالحجة والدليل المادي الملموس .. (( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(63) ... )).. (( مِيثَاقَكُمْ ) ):
جاء في لسان العرب:
(( وقد أوثقه ووثقه وإنه لمُوَثَّقُ الخلق. والمَوْثِقُ والمِيثاقُ: العهد، صارت الواو ياء لانكسار ما قبلها، والجمع المَواثِيقُ على الأصل .. الطور: جبل الطور في شبه جزيرة سيناء .. الطُّورُ في كلام العرب: الجَبلُ .. تَتَّقُونَ: قال ابن منظور في لسان العرب: رأَيت هنا حاشية بخط الشيخ رضيِّ الدين الشاطِبي، رحمه الله، قال: قال أبوعمرو وزعم سيبويه أَنهم يقولون تَقَىللهَ رجل فعَل خَيْرًا؛ يريدون اتقى اللهَ رجل، فيحذفون ويخفقون، قال: وتقول أَنت تَتْقي اللهَ وتِتْقي اللهَ، على لغة من قال تَعْلَمُ وتِعْلَمُ، وتِعْلَمُ، بالكسر: لغة قيْس وتَمِيم وأَسَد ورَبيعةَ وعامَّةِ العرب، وأَما أَهل الحجاز وقومٌ من أَعجاز هَوازِنَ وأَزْدِ السَّراة وبعضِ هُذيل فيقولون تَعْلَم، والقرآن عليها ..
والسؤال الذي يتردد في هذا المقام هل اتقى بنو إسرائيل؟ هل خافوا الله وعملوا بطاعته؟ .. هل انتهوا عند نواهيه؟ .. هل حمدوا الله على النعم التي أسبغها عليهم ظاهرة وباطنة؟ .. (( ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ(64) ... )).. تَوَلَّيْتُمْ: أعرضتم .. أصله الإعراض بالجسم ابتعادا .. ثم استعمل في الإعراض عن أحكام الدين مجازا وتوسعة .. دائما فضل الله معهم .. ومع كل الناس إلى قيام الساعة .. لو يفكرون .. لو يعملون العقل ويستخدمونه حق الإستخدام .. والفضل الزيادة في كل خير .. وهل من خير غير خير الله؟ .. يمد الله خلقه بنعمه وأفضاله .. ويمهل لهم .. ويعطيهم الفرصة تلو الفرصة للتوبة والأوبة .. (( فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ ) ).. وغريب أمر بني إسرائيل السادرين في غيهم .. لا يستفيدون من دروس الحياة وما أكثرها .. ولا يزدادون إلا صلفا وغلوا وإغراقا في الإنحراف .. (( وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ(65)