فهرس الكتاب
فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) ... )) .. السبت: سبت سبتا: استراح .. خاسئين: أذلة .. مطرودين من الرحمة .. أخسأه: أذله وأطرده .. نكالا: أي عبرة .. والمعنى واضح أي لقد علمتم علم القين لأن علم الشيء أدركه بحقيقته وكنهه .. أدركتم مآل من تطاول على أمر الله بعدم اصطياد السمك يوم السبت .. فمسخهم الله قردة أذلاء مطرودين من رحمة الله ليكونوا عبرة لمن يعتبر .. وبقي سلوكهم وعقوبتهم لتجرئهم على أمر الله في تلك القرية التي حاضرة البحر وهي أيلة، على ساحل البحر الأحمر، على طريق الحاج الذاهب من مصر إلى مكة .. موعظة للمتقين .. اتقاه: خافه وحذره .. التقوى: مخافة الله والعمل بطاعته ..
وتتواصل حياة بني إسرائيل مليئة بالمتناقضات والمعاصي .. ترى هل اهتدى بنو إسرائيل؟؟ .. وهل طبقوا أحكام التوراة على حياتهم الخاصة والعامة؟؟ .. إن مظاهر الإيمان لا تتجلى في الصلاة والزكاة فقط .. بل كذلك في الحكم بما أنزل الله أي بالعدل دون محاباة ولا رشوة ولا محسوبية .. لقد امتحنهم الله سبحانه وتعالى لما مات فيهم شخص .. ولما كان القاتل سيدا من أسيادهم أخفوا الأمر .. ورفضوا شهادة الحق .. وتكتموا على القاتل .. لأنه غني .. ولأنه صاحب مال ونفوذ .. وبالتالي فهذا أول مظهر من مظاهر الظلم والإنحراف عن جادة الله وعدم تحكيمهم شرع الله .. فحكم الله لا مجال فيه للعواطف وللعلاقات الدموية وللمحسوبية ولا للكراسي ولا للمال ولا للنفوذ .. العدل هو العدل في كل مكان وزمان .. ولكن أنى لمن أشربوا في قلوبهم العجل أن يفهموا هذه المقاييس وأن يطبقوها في أحكامهم؟ .. ولذلك بدأ الإمتحان الكبير .. لتبيان الظلم وتفصيله حتى لا يعودوا إليه .. القتل ظلم .. وعدم الإحتكام إلى شرع الله ظلم وكتم الشهادة ظلم وعدم تطبيق الحد ظلم .. فما المخرج من هذه الورطات المتعددة الجوانب وعلى كل الجبهات؟؟ ... (( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ(67) ... ))... أمر الله سبحانه وتعالى كان أكثر من واضح: (( أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ) ).. وكان يمكنهم أن يذبحوا أية بقرة وأن يرموا بجزء منها القتيل فيحييه الله فيتكلم ليدل على اسم قاتله وتنتهي المشكلة .. ولكنهم عاندوا مرة أخرى .. ولجوا في عتوهم (( أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ) )؟ .. وهل المجال مجال هزل؟ .. بل الأمر جد في جد .. وطاعة في طاعة .. وامتحان في امتحان ولا مجال للهزل في أمر الله ولذلك قال لهم موسى فورا (( أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ ) ).. جعل الهزء مساويا للجهل بأمر الله ..
ترى هل سينفذ بنو إسرائيل أمر الله ويذبحوا بقرة وتنتهي المسألة وترفع المظلمة عن القتيل؟ .. كلا وألف كلا .. فقد واصلوا التعنت وشددوا فشدد الله عليهم: (( قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ(68) ... )).. يريدون تفاصيل عن البقرة تهربا من تنفيذ الأمر وعصيانا لله ولموسى .. ومع ذلك قال لهم نبيهم إن مواصفات هذه البقرة هي: (( لاَ فَارِضٌ ) ): أي ضخمة ..
جاء في لسان العرب:
والفارِضُ: الضخْمُ من كل شيء، الذكر والأُنثى فيه سواء، ولا يقال فارضة .. ولِحْيةٌ فارضٌ وفارِضةٌ: ضَخْمةٌ عظيمة، وشِقْشِقةٌ فارِضٌ وسِقاء فارضٌ كذلك، وبَقَرة فارضٌ: مُسِنّة. وَلاَ بِكْرٌ: وبقرة بِكْرٌ: لم تَحْمِلْ، وقيل: هي الفَتِيَّةُ. عَوَانٌ وقيل: العوان من البقر والخيل التي نُتِجَتْ بعد بطنها البِكْرِ. أَبو زيد: عانت البقرة تَعُون عُؤُونًا إذا صارت عَوانًا؛ والعَوان: النَّصَفُ التي بين الفارض، وهي المُسِنَّة، وبين البكر، وهي الصغيرة ..
لقد بين لهم موسى عليه السلام مواصفات البقرة المطالبين بذبحها .. وأكد لهم من جديد على ضرورة الإسراع بتنفيذ أمر الله مخافة عصيانه وما ينجر عن العصيان من عقوبات في الدنيا والآخرة .. (( فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ ) ).. ولكن بني إسرائيل رفضوا الإنصياع وماطلوا في التنفيذ .. وهو إصرار غريب وعجيب لم يفعله غيرهم ..
فهل نفذ بنو إسرائيل ما أمرهم الله به من ذبح البقرة؟ .. هل انقادوا لأمر الله ونفذوا ما جاء به موسى؟ .. أم هل ماطلوا وخرجوا بطلبات جديدة ومفاوضات أخرى كسبا للوقت؟ .. وكأن الوقت يكسب؟ .. وإنما هي أعمالهم يحصيها لهم رب العزة ليجزيهم بها في الدنيا والآخرة .. لقد كان الأمر في غاية البساطة